23.3 C
Khartoum
الخميس, مارس 12, 2026

حين يتقدّم البيان العسكري… ويتأخر الصوت الدبلوماسي ✍️ خليفة جعفرعلى

إقرأ ايضا

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة الحساسية، أصدرت القوات المسلحة السودانية بيانًا مسؤولًا أدانت فيه استهداف المليشيا لمعسكر تابع للجيش التشادي بمدينة الطينة داخل الأراضي التشادية، عبر طائرة مسيّرة، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل جنديين، في واقعةٍ تمثل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا واضحًا لسيادة دولةٍ جارة.

البيان، في مضمونه وتوقيته، عبّر عن موقف مؤسسي منضبط، وأرسل رسالة واضحة مفادها أن السودان الرسمي لا يقرّ مثل هذه الأفعال، ويدين إنتهاكات المليشيات العابرة للحدود، ولا يقبل بزج اسمه في مغامرات تهدد أمن واستقرار الإقليم. غير أن هذا الموقف، على أهميته، يظل منقوصًا ما لم يُستكمل بصوت الدولة الدبلوماسي.

هنا يبرز السؤال المشروع: أين وزارة الخارجية؟ وأين بيانها؟

إن القضايا التي تمس سيادة الدول وعلاقات حسن الجوار لا تُدار ببيانات عسكرية وحدها، مهما بلغت مهنيتها، بل تحتاج إلى خطابٍ دبلوماسي متزن، يُخاطب الحكومات، ويطمئن الشعوب، ويضع الحدث في إطاره القانوني والسياسي الصحيح. فالدبلوماسية ليست رديفًا ثانويًا في مثل هذه الأزمات، بل هي خط الدفاع السياسي الأول عن صورة الدولة ومصالحها.

إن صمت وزارة الخارجية السودانية في هذا التوقيت الدقيق يفتح باب التأويل، ويترك فراغًا لا يخدم الموقف السوداني، ولا ينسجم مع ما تفرضه مقتضيات المسؤولية الدولية. وكان الأجدر أن يصدر بيان واضح يؤكد احترام السودان التام لسيادة جمهورية تشاد، ورفضه القاطع لأي اعتداء ينطلق من أراضيه أو يُنسب إليه، مع التشديد على أن المليشيا لا تمثل الدولة ولا تعبر عن إرادتها.

كما أن بيانًا دبلوماسيًا محسوب العبارات كان كفيلًا بتعزيز الثقة، وقطع الطريق أمام محاولات الزج بالسودان في توترات إقليمية هو في غنى عنها، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه إلى ترميم علاقاته الخارجية، وتثبيت صورته كدولة تحترم القانون الدولي، وتتمسك بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

في السياسة، لا يكفي أن يكون الموقف صحيحًا؛ بل يجب أن يُقال في وقته، وباللغة التي يفهمها العالم. وبينما أدّت المؤسسة العسكرية واجبها في إدانة الاعتداء، يبقى الأمل معقودًا على أن تستدرك الدبلوماسية السودانية هذا الغياب، وتعيد التوازن المطلوب بين الميدان والسياسة، بما يحفظ للسودان مكانته، ويصون علاقاته، ويؤكد أن الدولة رغم عواصفها ما زالت تتحدث بصوتٍ واحد.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة