في صمت الليالي، حين أخلو إلى نفسي، تبدأ حكايتي الحقيقية في الظهور. حكاية لا أرويها بالألفاظ وحدها، بل بنبضٍ يخترق ضلوعي، وبذكرى تتحول إلى وجع جميل. إنها حكاية امي و أبي. ذلك العالم الموازي الذي عشت فيه دون أن أدري، ذلك المرفأ الذي لم أقدّر أمانه إلا عندما ركبت أمواح البحر وحيداً. هنا، لست أتحدث عن فكرة مجردة، بل عن لحم ودم، عن عرق وضحك، عن صمت كان يصرخ بأعلى مما تعلو الأصوات. وحينها افكر في حديث عن الرجل الذي كان يخفي عني تعبه كي لا أعرف معنى التعب، والذي كان يبتسم في وجهي حتى وهو يحمل العالم على كتفيه. أغوص في هذا الوجدان، وأستمع إلى تلك القصيدة التي تُذكر به، بيتاً بيتاً، فأفهم أن الحب الحقيقي هو ذلك الذي يترك أثراً لا يُمحى، حتى بعد أن يرحل الجسد.
أما قلبي فينطق بشيء آخر، بشيء أعمق من الكلمات وأقسى من الذكرى. إنه الشوق الذي يأكل روحي قطعة قطعة، والحزن الذي يستقر في عظامي وكأنه جزء من تكوينها. أتألم يومياً لفراقهم، وأترحم عليهم في كل صباح ومساء، وأسأل الله أن يتقبلهم بين عباده الصالحين. أدعو لهما بقلب ينزف وفاءً: اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرين، واغفر لهما كما كانا يغفران لي زلاتي، وأسكنهما فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء. اللهم اجعل قبرهما روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم املأ فراقهما في قلبي إيماناً بأن لقاءنا في جنتك آتٍ، وأسبغ عليهما من رحمتك ما ينسيني ألم فراقهما في سعة رضاك. إنهم رحلوا عن عيني، لكنهم لم يبرحوا قلبي، وسيبقون فيه حتى ألقاهم على حوض نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
أسمعها فأقول من أعماق وجداني: “وَأَمْطَرَتْ ذَهَبًا مِنْ بَعْدِ مَا ذَهَبَا”. ليست هذه كلمات أتلوها، بل هي واقع أعيشه كل يوم. تمر ذكرى أبي فأبكي، وأزف الدموع، وأتذكر حين كان معنا أبا خالداً بطيبته. خالد في دواخلنا. كان هو الحنان الذي يحمينا ويرحمنا. أشتاق إليه. ذهبه ليس ذلك المعدن اللامع، بل هو نور الحكمة الذي كان يضيء دربي ولا يزال، حتى بعد أن تطمسها ظلمة الحياة. هو تلك القوة الأخلاقية التي أستمدها من سيرته حين أضعف. هو ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس بمنطقه حين تجتاحني عواطفي. ذهبه هو جوهر الرجل الذي تحول إلى إرث في نفسي. وكما أن المطر يحيي الأرض الميتة، فهذا الذهب المعنوي يحيي روحي المكلومة. إنه عطاء متجدد، يثبت أن وجود أبي كان أكبر من جسده، وأن رحيله كشف عن حجم حضوره الحقيقي في نفسي. فالسحابة قد تتبدد في السماء، لكن مطرها يغوص في أعماق تربتي لينبت في قلبي أجيالاً من الخير.
ثم أسمع فأردف في حيرة وجودية: “لَا شَيْءَ يَعْدِلُ فِي هَذَا الْوُجُودِ أَبَا”. تمر الذكرى فأبكي. في هذا الكون الشاسع بجباله ونجومه وبحاره، لا يوجد ما يساوي أبي. لأنه كان كوني المصغر، الذي خُصص لي وحدي. كان البحر الذي لم يغرقني، والجبل الذي لم يسقط عليَّ، والسماء التي لم تنأ عني. كان “الوطن المحمول”، الوطن الذي لا تخرجه منه الحروب ولا تغريه الحدود. وهو يكشف لي سراً من أسرار هذه الأبوة الفذة: “وَكُنْتُ أَحْجُبُ عَنْ نَفْسِي مَطَالِبَهَا / فَكَانَ يَكْشِفُ عَمَّا أَشْتَهِي الْحُجُبَا”. هنا كان يكمن فهمه الذي يفوق السمع، وحبه الذي يسبق الطلب. كانت قدرة قلبه الأبوي على قراءة المسكوت عنه، على إدراك حاجتي المختبئة خلف ستار الخجل أو الكبرياء. لم يكن يعطيني فحسب، بل كان يمنحني كرامة العطاء دون إذلال السؤال. كان يحترم صمتي، ويقدس خجلي، فيأتيني بالحاجة كما يأتي الربيع بالزهر، طبيعياً، متوقعاً، جميلاً.
وفي تفاصيل حياتي اليومية، أجد أسرار خلوده: “مَا زَالَ فِي جَبْهَتِي مِنْ عِطْرِ قُبْلَتِهِ / مَا زَالَ يُطْعِمُنِي تُفَّاحًا وَعِنَبَا”. تمر الذكرى فأبكي. العطر هنا هو أثر لمسته التي تشبه الختم. ختم الحب الذي لا يزول. كانت قبلة أبي لم تكن لمّة شفاه، بل كانت نقلًا للطمأنينة من جسده إلى جسدي، فصارت جزءاً من كياني. وأما التّفاح والعنب، فلم يكونا طعاماً، بل كانا “رموز الرعاية”. فأبي الذي كان يطعمني بيده، لم يكن يقدم تغذية لجسدي فقط، بل كان يقدم درساً في العطاء الحاني، في التواضع المحب. كان يجعل من الوجبة العادية طقساً من طقوس الحب، ويحول الفاكهة البسيطة إلى هدية ثمينة لأنها مقدمة منه.
ثم تأتي الصورة التي تهز وجداني كلما تذكرتها: “لَمْ يَنْحَنِ ظَهْرُ أَبِي مِمَّا كَانَ يَحْمِلُهُ / لَكِنْ لِيَحْمِلَنِي مِنْ أَجْلِي انْحَدَبَا”. تمر الذكرى فأبكي. إنه تناقض أبوته العظيم: القوة التي تختار الضعف، والصلابة التي تلبس ليناً، والانتصاب الذي ينتحي ليصنع لي مأوى. ظهر أبي كان سِجلّ تضحياته، لكنه لم ينحن تحت ثقلها، بل انحنى ليكون جسراً أعبر عليه إلى بر الأمان. كان هذا الانحناء أسمى درجات قوته، لأنه كان اختيارياً، نابعاً من الحب، موجهاً نحو بناء حياتي. كان انحناء الشجرة المثمرة التي تخفض غصونها كي أقطف ثمار حنانها، صغيراً كنت أم كبيراً.
ويوغل بي الحنين إلى عالم الطمأنينة المطلقة: “أَغْفُو وَأُمْنِيَتِي سِرٌّ يَنَامُ مَعِي / أَصْحُو وَهَا هُوَ أَبِي مَا رُمْتُ قَدْ جَلَبَا”. تمر الذكرى فأبكي. هنا كان يصبح أبي ساحر الخير، وحارس أحلامي. فأمنيتي التي كانت “سراً” بيني وبين نفسي، كان يكتشفها وكأنه يقرأ في كتاب مفتوح. ويحققها دون ضجيج. هذه الثقة بأن هنالك من يحول أحلامي إلى واقع، كانت أعظم هدية منحني إياها: هدية الأمان الوجودي. ثم أسمع التشبيه الأعلى: “كَفَّاهُ غَيْمٌ، وَمَا غَيْمٌ كَكَفِّ أَبِي / لَمْ أَطْلُبِ الْغَيْثَ إِلَّا مِنْهُ فَانْسَكَبَا”. تمر الذكرى فأبكي. يده كانت تتحول إلى مصدر للخصب والحياة. كانت سحابة شخصية، تمطر عليَّ وحدي، وتخصني بالخير. ولم أعد أطلب الغيث من سواها، لأنني أعلم أن كل ينابيع الدنيا لا تساوي هذا النبع الواحد. كانت علاقة الاعتماد الكلي، والثقة المطلقة التي لا تتزعزع.
ويصل بي الحنين إلى قمة التوق: “يَا لَيْتَنِي خَاتَمٌ فِي خِنْصَرٍ لَهُ / يَا لَيْتَنِي الْأَرْضُ تَمْشِي فَوْقَهَا فَأَرَى / مِنْ تَحْتِ نَعْلِكَ أَنِّي أَبْلُغُ الشُّهُبَا”. تمر الذكرى فأبكي. هذه أمنية الفناء في محبوب. أن أكون خاتماً في إصبعه، أي أن أكون قريباً إلى درجة التماهي، جزءاً من جماله وكماله. ثم تلك الصورة المذهلة: أن أكون الأرض تحت قدميه، كي أصل إلى المجد (الشهب) من خلال سيره هو. إنه إقرار مني بأن كل علوّ تحققته، وكل نجاح بلغته، هو لأن أقدام أبي مشت أولاً وهذبت الطريق. مجدي الشخصي هنا أنسبه إلى أساسه الأبوي. لا أرى نفسي صاعداً بنفسي، بل صاعداً لأن أبي كان الأساس المتين.
وينتهي بي التأمل إلى الحكمة التي تجمع بين فلسفة العطاء ونذير الندم: “لَا تَنْتَظِرْ طَاعَةً إِنْ صِرْتَ أَنْتَ أَبَا”. تمر الذكرى فأبكي. إنها دعوة للاستباق، لفهم الدائرة الإنسانية. فأنا اليوم ابن، وغداً قد أصبح أبا. ما أزرعه اليوم من حب وطاعة، سأحصده غداً من أبنائي. ثم تلك الحقيقة الاقتصادية الوجدانية: “فَالْبِرُّ قَرْضٌ إِذَا أَقْرَضْتَهُ لِأَبٍ / يُوفِيكَهُ وَلَدٌ، وَالْبِرُّ مَا ذَهَبَا”. البر هنا ليس منّة، بل هو استثمار أخلاقي في مستقبل علاقتي بأبنائي. الكون يرد الجميل، لكن من باب آخر. ثم تأتي الصفعة الموجعة، الصادقة: “لَا تَنْتَظِرْ مَوْتَهُ، صِلْ فِي الْحَيَاةِ أَبًا / لَا يَنْفَعُ الدَّمْعُ فَوْقَ الْقَبْرِ إِنْ سُكِبَا”. هنا أتحول إلى ناصح أمين لنفسي أولاً. فالوقت هو كل ما أملك. الدمع بعد الرحيل هو دمع الأنين على فرصة أضعتها، وليس دمع الوداع على حب قدمته. إنه ندب للذات، و حزن على الفقيد ايضا.
في الختام، هذه الكلمات التي أسمعها ليست سرداً لعاطفة، بل هي خريطة كاملة لمشاعري الإنسانية من الحب إلى الندم. إنها تذكرني بأن أبي مدرسة لا تغلق أبوابها أبداً، وأن أمي كانت القلب النابض في تلك المدرسة. الحب الأبوي كان لغتي الأولى التي فهمتها، لغة اللمس والظل والعطاء الصامت. أنظر اليوم إلى من تبقى لي من آباء الآخرين، لا بعين الاستحقاق، بل بعين الدهشة، كما ينظر الإنسان إلى معجزة تحدث كل يوم. وأقدم ذلك البر وهو قرض أعرف أن عائداته ستكون أجمل وأبقى. ففي النهاية، تتبدد السحب، ويفنى الذهب، لكن يد أبي التي ربّت، والعطر الذي خلّفته على جبيني، يبقيان إلى الأبد. إنها اليد التي صنعت من ذاكرتي وطناً، ومن حبه خلوداً.


