30.7 C
Khartoum
الجمعة, مارس 27, 2026

قضايا وهموم الناس… ✍️ خليفة جعفر على -القضارف

إقرأ ايضا

أإلى هذا الحد نُخاصم ذواتنا ونجلد مصلحتنا العامة؟ وهنا لا نعمّم، بل نقصد قلّة محدودة، بعضهم وإن استقر بالقضارف ظلت بوصلته النفسية والاجتماعية مشدودة إلى مواطنه الأصلية، بينما الغالبية العظمى من أهل القضارف الحقيقيين لم يعرفوا موطناً ولا قبلةً غيرها.

إن ما طرحه الأخ مبارك النور لم يكن بدعة سياسية، ولا خروجاً على السياق الوطني، بل قراءة واعية لمواجع إنسان القضارف الفعلي؛ ذاك الذي ينتمي لهذه الأرض انتماءً كاملاً غير منقوص بعيدا عن الحواكير ، من مساليت وهوسا وفور وشكرية وضباينة وبوادرة وشايقية وجعليين وبني عامر وأكراد وزبرما وحلاويين ولحوين وكواهلة وكنانة وفلاتة، وتاما وبرنو وبنى هلبه وغيرهم من أطياف السودان الواسعة. هؤلاء جميعاً يشكّلون النسيج الاجتماعي المتكامل للقضارف، وهم سودانٌ مصغّر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولا انتماء لهم خارج هذا الإقليم.

وللتاريخ والإنصاف، فإن المطالبة بإقليم القضارف ليست وليدة اليوم، بل سبقتها مطالبات عديدة، ساهمت ضمن سياقات سياسية مختلفة في تحويل القضارف إلى ولاية، استجابةً لضرورات الإدارة والتنمية آنذاك. واليوم، تتجدد المطالبة في إطار أكثر نضجاً، وبفهم أعمق لمفاهيم اللامركزية الحقيقية، والحكم الإقليمي، والعدالة التنموية.

ورغم اختلافي الجوهري مع الأخ مبارك النور في كثير من القضايا، بحكم انتمائه التنظيمي ورؤيته السياسية، إلا أننا عندما تُستدعى القضارف إلى ساحة النقاش، نخلع عباءة الانتماء الحزبي، ونتجرّد لمصلحة إنسان القضارف وحده. فالقضايا المصيرية لا تُدار بمنطق الاصطفاف السياسي، بل بعقل الدولة وروح المسؤولية الوطنية.

وقد كنتُ شاهداً وحاضراً في اتفاق شرق السودان، ودفعت حينها عن قناعة بأحد أبناء القضارف الخلّص ليكون ضمن طاولة التفاوض، إيماناً بأن أهل القضارف، بكل إثنياتهم، بمن فيهم البجا، جزء أصيل من معادلة الشرق، ومن معادلة السودان الكبرى.

والمتابع بموضوعية للمشهد السياسي والاقتصادي يدرك أن القضارف، رغم إمكانياتها الزراعية والاقتصادية الهائلة، تُعد من أكثر ولايات السودان ظلماً وتهميشاً. فبينما تنعم الولايات بالمياه عبر الشبكات النظامية، لا يزال مواطن القضارف يحمل الماء بالكارو. مواردنا كفيلة بأن تسقينا من النيل وأكثر، لولا سوء الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وارتهان القرار التنموي لمراكز بعيدة عن هموم المواطن.

إن المطالبة بإقليم لا تعني الانفصال، ولا تشكّل تهديداً لوحدة السودان، بل تأتي منسجمة مع الواقع الدستوري القائم، حيث أُقرّ نظام الأقاليم في دارفور والنيل الأزرق. وهي مطالبة مشروعة في إطار إعادة هيكلة الدولة السودانية على أسس فيدرالية أو كونفدرالية، تضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة، وتمكّن الأقاليم من إدارة مواردها بكفاءة وشفافية.

نطمح إلى سودان الأقاليم والحكم الكونفدرالي، ولكن القضارف بما تملكه من موارد قادرة على أن تكون نموذجاً ناجحاً للحكم الإقليمي الرشيد، وأن تنهض بخدماتها، وتوفّر الماء الصحي، وتحقق تنمية مستدامة، بل وتتحول إلى قاطرة اقتصادية حقيقية، إن أُحسن استغلال مواردها. حينها لن يكون وصفها بـ «دبي السودان» ضرباً من الخيال، بل نتيجة منطقية للتخطيط السليم والإدارة الرشيدة.

القضارف لن تُقاد بالقبلية، ولا بالجهوية، ولا بأصوات التطرف وشذاذ الآفاق، ولا بأجندة المصالح الضيقة. فهي مدينة التداخل الاجتماعي، والتصاهر الثقافي، والتعايش العميق، حيث انصهرت القبائل في بوتقة واحدة بحكم التاريخ والجغرافيا وطبيعة الحياة.

وعليه، فإن مبادرة الأخ مبارك النور عبدالله لا تتجاوز كونها تعبيراً عن حلمٍ مشروع، ومطلبٍ عادل، يتطلع إليه كثير من أبناء القضارف المخلصين، نهضةً للإنسان، وإنصافاً للأرض، وتأسيساً لمستقبل يُدار بعقل الدولة، لا بردود الأفعال.

القضارف تستحق أفضل مما هي فيه… وتستحق أن تُدار بإرادة أهلها، لا بوصايةٍ من أحد.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة