32.6 C
Khartoum
الخميس, فبراير 19, 2026

مسارات ✍️د.نجلاء حسين المكابرابي أفغانستان وخطاب التحدي: قراءة تحليلية في سرّ الردود على دونالد ترامب

إقرأ ايضا

في كل مرة تتصاعد فيها التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي السابق Donald Trump بشأن أفغانستان، تتجه الأنظار إلى طبيعة الرد الأفغاني، الذي غالبًا ما يتسم بالحدة والثقة العالية. غير أن هذا الخطاب لا يمكن فهمه في سياق ردّ فعل آني، بل هو امتداد لبنية تاريخية وسياسية وثقافية متجذّرة في المجتمع الأفغاني.
أولًا: ذاكرة التاريخ وصناعة الثقة
تاريخ أفغانستان ليس مجرد سردٍ لأحداث متعاقبة، بل هو رصيدٌ رمزيّ يُستحضر في كل مواجهة سياسية. فقد خاضت البلاد مواجهات طويلة مع قوى عظمى مثل:
United Kingdom خلال الحروب الأنغلو-أفغانية،
Soviet Union في ثمانينيات القرن الماضي،
United States بعد عام 2001.
هذا الإرث عزّز في الوعي الجمعي صورة “الصمود أمام الإمبراطوريات”، وهي صورة تُستثمر سياسيًا وإعلاميًا عند مواجهة أي خطاب خارجي يحمل طابع التهديد أو التقليل من الشأن الأفغاني.
ثانيًا: طبيعة البنية الاجتماعية
المجتمع الأفغاني قائم على منظومة قبلية متماسكة، تُعلي من قيمة الشرف والسيادة والولاء للأرض. هذه البنية تمنح الخطاب السياسي بعدًا اجتماعيًا عميقًا؛ إذ لا يُنظر إلى التصريحات الدولية بوصفها خلافًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها مساسًا بالكرامة الوطنية.
ثالثًا: البعد الديني وتعبئة الخطاب
تلعب المرجعية الدينية دورًا محوريًا في تشكيل الخطاب الرسمي، خصوصًا في ظل سيطرة Taliban على المشهد السياسي في Afghanistan. فالصراع يُقدَّم في كثير من الأحيان باعتباره دفاعًا عن الهوية والعقيدة، ما يمنح الردود السياسية طابعًا تعبويًا يتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية.
رابعًا: خبرة طويلة في إدارة الصراع
على مدى عقود، اكتسبت النخب الأفغانية — سواء في السلطة أو خارجها — خبرة واسعة في التعامل مع الضغوط الدولية. وقد أفضت هذه الخبرة إلى صياغة خطاب يقوم على:
الثقة بالقدرة على الاستنزاف الطويل،
استدعاء تجارب الماضي،
التأكيد على أن الانسحاب الأميركي عام 2021 شكّل نقطة تحوّل استراتيجية.
خامسًا: الجغرافيا كجزء من السردية
الطبيعة الجبلية الوعرة لأفغانستان ليست مجرد معطى جغرافي، بل عنصر في تشكيل الهوية السياسية. فهي تُستحضر دائمًا بوصفها حليفًا تاريخيًا في مواجهة الجيوش النظامية، وتتحول في الخطاب إلى رمزٍ للاستعصاء على الإخضاع.
بين السياسة والرمزية
إن الردود الأفغانية على تصريحات ترامب لا تُقرأ فقط في إطار العلاقات الثنائية، بل ضمن سياق أوسع يتعلّق بإعادة تعريف موقع أفغانستان في النظام الدولي بعد عقدين من التدخل العسكري الأميركي. فالخطاب الحازم يخاطب الداخل لتعزيز الشرعية، ويخاطب الخارج لتثبيت صورة الدولة التي خرجت من الحرب وهي متمسكة بسيادتها.
خلاصة
سرّ “قوة الرد” الأفغاني ليس في ارتفاع النبرة، بل في الخلفية التاريخية والاجتماعية والدينية التي تمنحه شرعيته. إنه خطاب يستمد قوته من ذاكرة مقاومة طويلة، ومن بنية مجتمع يعتبر السيادة خطًا أحمر، ومن واقع سياسي يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة في علاقاته الدولية.
وبين التصريحات الأميركية والردود الأفغانية، يبقى الثابت أن أفغانستان — رغم هشاشتها الاقتصادية والسياسية — لا تزال تُدير خطابها من موقع من يرى في التاريخ سندًا، وفي الجغرافيا حليفًا، وفي الهوية درعًا لا يُكسر.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة