29 C
Khartoum
الخميس, فبراير 19, 2026

الفريق شرطة/ د. عثمان عطا خلد موقف لا ينسى وزيارة تعيد تعريف معنى “القدوة” في القوات النظامية قلم وطني بقلم: خالد المصطفى أعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في مشهد يحمل من الدلالات أكثر مما تحمل الكلمات، وفي شهر رمضان الذي تخلو فيه النفوس وتصفو، قام الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى مدير قوات الدفاع المدني بزيارة إلى منزل القائد المخضرم الفريق شرطة/ حقوقي عثمان يعقوب نائب مدير عام قوات الشرطة الأسبق. قد تبدو الصورة للوهلة الأولى مجرد لفتة وفاء عابرة، أو تقليداً سنوياً معتاداً في جولات التهنئة الرمضانية، لكن الناظر إلى سياق المؤسسة الشرطية السودانية بعين الخبير، يدرك أن هذه الزيارة تمثل نموذجاً مصغراً لظاهرة تنظيمية أوسع، هي ظاهرة “التوارث القيادي” الذي تحرص عليه الشرطة السودانية وتحافظ عليه بوصفه ركيزة من ركائز تماسكها الداخلي. إنها ليست مجرد مجاملة عادية، بل تأكيد على أن هذه المؤسسة العريقة تدرك أن القيادة القديمة تعطي القيادة الحديث معناه، وأن الماضي ليس ذكرى فحسب، بل هو نبراس يُستضاء به.

لطالما آمنت الأجيال المتعاقبة في قيادة الشرطة بأن بناء مستقبل آمن لا يبدأ من فراغ، بل يقف على أكتاف من سبقوا. وهذا ما تجسده هذه الزيارة التي تندرج في سياق برامج غير معلنة لكنها راسخة، تشمل التواصل مع مدراء الإدارات السابقين، وقادة الشرطة في الولايات، وحتى رؤساء الأقسام المتقاعدين. الهدف من هذه اللقاءات يتجاوز بكثير إطار المجاملات أو تبادل الهدايا، التي قد يظنها البعض. الجوهر الحقيقي لهذه اللقاءات يكمن في استلهام الحكمة، واستعراض المواقف الجميلة، وسرد الذكريات التي تشكل الخبرة، وسبر أغوار تجارب عملية خاضها أولئك القادة في ظروف كانت قد تكون أقسى وأشد تعقيداً مما هي عليه اليوم. في هذه الجلسات الرمضانية، يتحول المجلس إلى ورشة عمل غير مباشرة لنقل المعرفة، حيث تُروى قصص النجاح والإخفاق معاً، لتصبح دروساً تضيء الطريق لمن لا يزالون في الخدمة الفعلية.

ما يزيد من بهاء هذه الزيارة ويضفي عليها طابعاً إنسانياً خالصاً، هو أن المبادر قام بها قائد استشعر هذه اللحظات العفوية بكل أبعادها الإنسانية قبل المهنية. السيد الفريق شرطة دكتور عثمان عطا الذي يقود قوات الدفاع المدني، يدرك جيداً أن قيادة الأجهزة الأمنية لا تعتمد فقط على التكنولوجيا والتسليح، بل تقوم أيضاً على روح الفريق الواحد والتراحم والتكاتف. هذه القيم التي تحدثت عنها النصوص والتي تجعل من الشرطة السودانية ليس مجرد جهاز بيروقراطي بارد، بل كياناً اجتماعياً متماسكاً. الزيارة بهذا المعنى تؤكد أن القائد الناجح هو من يظل متصلاً بجذوره، محتفياً برموزه، مدركاً أن التواضع الذي يظهره تجاه من سبقوه هو الذي يرسخ هيبته واحترامه بين من هم تحت قيادته الآن وفي المجتمع عامة.

في المقابل، تحمل الزيارة رسالة عميقة للسيد الفريق شرطة/ حقوقي عثمان يعقوب، الذي قضى سنوات في مواقع قيادية عليا. فبعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء والإنجازات، تأتي هذه اللفتة لتؤكد له أن عطاءه لم ينس، وأن بصماته ما زالت ماثلة، وأن المؤسسة التي أفنى فيها زهرة شبابه تحتضنه وتعتز به. هذا النوع من الوفاء يعد بمثابة “وسام على الصدر” لمن هم على أبواب التقاعد، إذ يرون في هذه الزيارات العفوية غير الرسمية تتويجاً معنوياً لتاريخهم، ودليلاً على أن العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة لا تنقطع بانتهاء الخدمة. وهو ما وصفه متابعون بأنه بمثابة تتويج لمسيرة حافلة، وتأكيد على أن الباقي في سجل الرجال هو هذه الذكرى الطيبة وهذا التقدير المتبادل.

وبعيداً عن النخب والقيادات، فإن لهذه الزيارة وقعاً خاصاً على منسوبي الشرطة من مختلف الرتب. فحين يرى الضابط الشاب أو الجندي البسيط قائده الحالي يزور قائداً سابقاً، يتعلم درساً عملياً في القيم والولاء المؤسسي. يتعلم أن النجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى المنصب فقط، بل في أن يبقى المرء محط تقدير واحترام بعد مغادرته له. هذه الصورة الذهنية الإيجابية التي ترسمها مثل هذه الزيارات، تساهم في تعزيز الروح المعنوية للأفراد، وتجعلهم يؤمنون بأنهم جزء من عائلة كبيرة، لا مجرد موظفين في جهاز حكومي. وهذا الانتماء العميق هو الذي يصنع الفارق في الأداء، ويجعل رجل الشرطة مستعداً للبذل والتضحية، لأنه يعلم أن هذا العطاء سيبقى مخلداً في ذاكرة المؤسسة كما بقي عطاء أسلافه.

في الختام، لا تمثل زيارة السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا للسيد الفريق شرطة/ عثمان يعقوب مجرد خبر عابر يستهلك في سياق التغطيات الرمضانية، بل هي رسالة واضحة تؤكد أن الشرطة السودانية، رغم كل التحديات والمتغيرات السياسية والاجتماعية، ما زالت تحتفظ بذاكرتها القوية وسندها الاجتماعي الداخلي. إنها لحظة تختزل فلسفة كاملة في القيادة تقوم على أن من لا يحترم ماضيه لا يستحق مستقبلاً، وأن استمرار عراقة هذه المؤسسة يتطلب جسراً دائماً من التواصل بين من بنوا المجد ومن ائتمنوا على إكمال المسيرة، لتظل هذه القوات مثالاً يُحتذى في التلاحم الذي يفوق الزمان والمكان.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة