لطالما كانت ود مدني في الوجدان السوداني مرادفاً لسكينة النيل، وملاذاً آمنًا تُخلع عند مداخلها أثقال الخوف، فهي المدينة التي لم تعرف يوماً بابا” يوصد في وجه غريب، ولا زقاقاً يضيق بعابر سبيل، غير أن المشهد اليوم استحال كابوساً يؤرق سكون الجزيرة، فبين عشية وضحاها تسللت الفجيعة إلى أزقتنا واغتال الغدر طهر براءتنا في وضح النهار وفي أقدس الأيام التي كان يُرتجى فيها الفرح. إن ما تناقلته الأسافير مؤخراً من جريمة نكراء تمثلت في اغتصاب طفل في العيد من قِبل فرد نظامي، وقد سبقتها فاجعه مماثله قبل وقت ليس ببعيد تم محاكمة المتهم فيها بالتحرش.
وخلال أيام العيد الذي نفترضه سعيدا” دوما” فجعت المدينة كذلك بمقتل طفل آخر ، هذه الفواجع ليس مجرد حوادث معزولة أو تفلتات أمنية عابرة يمكن القفز فوقها ببيانات باهتة، بل هو زلزال أخلاقي يضرب أسس العقد الاجتماعي في المدينة، وإعلان صريح بأن الوحشية قد كسرت جدار الحياء والردع مستغلة حالة السيولة التي خلفتها الظروف الآمنية الراهنة.
لقد تحولت البندقية التي شُرعت لتكون درعاً للوطن، في يد البعض، إلى أداة لترويع الآمنين وهتك الأعراض، وعندما يكون الجاني نظامياً مؤتمناً بقوة القانون على الأرواح فإن الجريمة تتضاعف مراراً، فهي خيانة للأمانة واغتيال لهيبة الدولة وإهانة لكل شريف يرتدي ذلك الزي.
إننا نقف اليوم أمام تساؤل مرير حول ماهية هذا الانهيار، فهل الأسباب أمنية بحتة تتعلق بغياب الرقابة، أم هو تحول سيكولوجي مخيف في بنية المجتمع؟
والواقع يقول إن الاثنين معاً قد تضافرا في مشهد جنائزي، حيث أغرى غياب العقوبة الرادعة النفوس المريضة، بينما أفرزت ظروف الضغط المستمر مسوخاً بشرية تقتات على الألم، وتلاشت معها الرقابة الاجتماعية التي كان يمارسها الحي والفريق، وحلت محلها هواجس الانغلاق التي خلقت فجوات ينفذ منها المجرمون بدم بارد لتنفيذ مآربهم الدنيئة.
إن استعادة ود مدني التي نعرفها تتطلب مغادرة محطات الرصد والمطالبة التقليدية والبدء في قرارات استثنائية لا تقبل المواربة، وعلى رأسها سقوط الحصانة القانونية فوراً عن أي فرد يثبت تورطه في اي جرائمة وبشكل خاص قضايا الاغتصاب، وتحويل محاكماتهم إلى ساحات علنية في ميادين المدينة ليشهدها الناس ويكون الردع بصرياً ومجلجلاً يقطع دابر المرجفين. كما يجب إخضاع كافة القوات العاملة داخل المناطق السكنية لرقابة سلوكية صارمة ومسح نفسي دوري لاستبعاد العناصر ذات السوابق الجنائية وضمان أن من يحمل السلاح هو فرد مؤهل أخلاقياً قبل كل شيء، بالتوازي مع تفعيل دوائر أمان أهلية في الأحياء تعمل بالتنسيق مع الأجهزة المختصة لإغلاق الثغرات التي يتسلل منها المعتدون.
إن مدني اليوم تقف في مفترق طرق تاريخي، فإما أن تستعيد هيبتها بقوة القانون وقبضة العدالة وتكاتف أهلها، أو أن تستسلم لسطوة الفوضى وتتحول إلى غابة ينهش فيها القوي الضعيف ويستباح فيها العِرض دون وازع. إن دماء أطفالنا وصرخات المقهورين هي أمانة غالية في أعناقنا جميعاً، والسكوت عن هذه الفواجع أو محاولة تبريرها تحت أي مسمى هو اشتراك معنوي في الجريمة القادمة التي قد تطرق باب أي منا في أي لحظة، فالحق لا يسترد بالتمني، والأمان لا يعود إلا بالقصاص من المعتدي وتثبيت أركان قانون لا يحابي أحداً مهما علا شأنه أو تعددت حصاناته.


