لم تكن التحولات الدراماتيكية في خارطة الطاقة العالمية لتصل إلى هذا المستوى من التعقيد لولا أن دويلة الشر الامارات باتت معروفة بدورها المظلم في زعزعة استقرار الدول، فبينما كانت أنظار المراقبين مشدودة إلى ساحات الصراع التقليدية، كانت دويلة الشر تعمل بصمت على تمويل مليشيا الدعم السريع وتزويدها بكل ما يلزم لاحتلال السودان وتفكيك مؤسساته، في مشهد مكتمل الأركان لمخطط إقليمي واسع النطاق. هذا المخطط الذي كشفت عنه التطورات الميدانية لم يكن وليد اللحظة، بل امتداداً لاستراتيجية كانت دويلة الشر الإمارات تعلم تفاصيلها بدقة، مدركة أن أمريكا وإسرائيل تمضيان نحو حرب كبرى جرى الإعداد لها بعناية، حيث وضعت دويلة الشر الامارتيه حساباتها على أن تكون هي الذراع اليمنى لإسرائيل في مهمة إخضاع الدول العربية، وهو ما جعلها تضع كل خططها لتقسيم السودان وتحويله إلى دولة مليشيات هشة تخدم المشروع الأوسع.
تعود جذور هذا التدخل الممنهج إلى سنوات مضت، حين أدركت أطراف إقليمية أن استقرار السودان يشكل عقبة أمام مشاريعها التوسعية، فكان المال والسلاح يتدفقان عبر قنوات غير شرعية لدعم تشكيلات مسلحة قادرة على فرض واقع جديد. ولم تكن هذه الأطراف تعمل بمعزل عن التنسيق مع قوى دولية كبرى ترى في تفكيك الدولة الوطنية السودانية فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة حوض النيل، خاصة مع ما يزخر به السودان من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي يطل على ممرات التجارة البحرية الحيوية. غير أن هذه الحسابات اصطدمت بحقيقة صامدة تمثلت في القوات المسلحة السودانية التي قطعت كل أطماع هؤلاء، وأحبطت مخططات كانت تهدف إلى إخراج السودان من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
اليوم، ومع استمرار التحديات، برزت مفاجأة غيرت موازين القوة بشكل لم يكن في الحسبان، إذ استطاعت إيران أن تحول موقعها من لاعب إقليمي تقليدي إلى قوة عظمى في سوق الطاقة، ليس فقط بفضل احتياطياتها النفطية الهائلة، بل عبر ذكاء جيوسياسي فائق تمثل في سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي يمر عبره نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية يومياً. فبإغلاق هذا المضيق أو التهديد به، تستطيع طهران وحدها أن تشل حركة الاقتصاد العالمي في لحظة، مما يجعلها قادرة على تسيير نحو ربع الاحتياطي النفطي العالمي من خلال قدرتها على التحكم في شرايين الإمداد وليس فقط في مصادر الإنتاج. هذا التحول النوعي لم يأت من فراغ، بل نتاج قراءة عميقة للمعادلات الدولية، حيث أدركت القيادة في طهران أن النفط في عالم اليوم لا يُقاس بكمية ما تملكه تحت الأرض فحسب، بل بمدى قدرتك على منع الآخرين من الوصول إلى ما يملكونه، وهنا برعت إيران في تحويل موقعها الجغرافي من نقطة ضعف محتملة إلى ورقة ضغط استراتيجية لا تقبل المنافسة. هذه القفزة النوعية في النفوذ الاقتصادي والعسكري منحت طهران أدوات ضغط هائلة، جعلتها قادرة على فرض شروطها في العديد من الملفات الإقليمية، متجاوزة بذلك الدور الذي كان محسوباً عليها سابقاً كذراع مساند، لتصبح اليوم هي من يحدد قواعد الاشتباك في لعبة الطاقة العالمية. وقد انعكس هذا التحول مباشرة على السودان، حيث باتت كل من روسيا والصين تسعى إلى ترسيخ وجودها في واحدة من أغنى مناطق القارة بالثروات الطبيعية، مستفيدة من حالة الفراغ النسبي التي حاولت قوى أخرى استغلالها سابقاً، ولكن هذه المرة في إطار برادايم جديد تفرض فيه طهران شروطها على أي طرف يرغب في لعب دور مؤثر في المنطقة.
على الأرض، تتكشف تفاصيل المشهد الجديد حيث يتجه كل أنظار العالم إلى أفريقيا، وإلى السودان بشكل خاص، بصفته الحلقة الأهم في سلسلة الإمدادات النفطية المستقبلية. فما يجري اليوم من سباق محموم على عقود الاستكشاف والتطوير، ومن تحالفات متغيرة بين فواعل محليين ودوليين، إنما يعكس إدراكاً متأخراً بأن مركز ثقل الطاقة العالمي ينتقل إلى هذه البقعة الجغرافية الحساسة. وفي خضم هذا التنافس، تظل التجربة السودانية شاهدة على أن المخططات التي تسعى لتقسيم البلاد أو تحويلها إلى ساحة لنفوذ المليشيات، قد اصطدمت مراراً بإرادة وطنية متماسكة وقوات مسلحة أثبتت قدرتها على حماية السيادة الوطنية في أحلك الظروف.
في الختام، يبدو أن التحولات الاستراتيجية الأخيرة، وفي مقدمتها صعود إيران كقوة مسيطرة على ربع النفط العالمي من خلال قبضتها على مضيق هرمز وذكائها في توظيف الجغرافيا لخدمة السياسة، قد أعادت ترتيب الأولويات لدى جميع الأطراف الفاعلة. فالسودان الذي كان يواجه مخططاً مدروساً للتقسيم وتحويله إلى دولة مليشيات، نجح بفضل صمود قواته المسلحة في تجاوز مرحلة الخطر الأكبر، لكنه يبقى اليوم في قلب صراع دولي متجدد حول موارد الطاقة. ومع توجه أنظار العالم بكثافة نحو أفريقيا، يثبت السودان مرة أخرى أن موقعه الجيوسياسي وثرواته الطبيعية يفرضان على الجميع التعامل معه كدولة ذات سيادة، وليس كساحة لتصفية الحسابات أو تمرير المشاريع الخارجية.


