ا
نتوجه اليوم بالدعاء لفلذات أكبادنا في مراكز إمتحانات المرحلة المتوسطة في جميع محليات ولاية الخرطوم بالتفوق والنجاح الباهر .
فقبل 49 عاما جلسنا لذات الشهادة بمسمى ( إمتحانات المرحلة الثانوية العامة)، وحينها كان رئيسنا هو القائد الملهم جعفر محمد نميري- طيب الله ثراه – وكنا بمدرسة بيت المال الحكومية، وكانت عبارة الحكومية تعني انك من المتفوقين اصلا، لأن اصحاب الدرجات الدنيا كانوا يقبلون بالمدارس الأهلية او الخاصة بمفهوم اليوم بعد ان صارت هي الأقوى والأرفع بسبب السياسات الحكومية الرعناء في سنوات الإنقاذ الثلاثين، إذ عمد كل مسؤول على الإستثمار في التعليم و( شلعوا) المدارس الحكومية من معلميها الأكفاء، وخدموهم في مدارسهم الخاصة وجلبوا خريجي الثانويات وإعتمدوهم معلمين في الدرجة 14 الوظيفية ووزعوهم دون خبرة ودون تدريب في المدارس الحكومية ذات الأرقام الفلكية من التلاميذ وصار الناس حتى قبيل هذه الخرب الملعونة يسمون أي مدرسة حكومية ب ( حوش البقر )، فلا توجد بها معامل ولامسارح ولا بيئة مدرسية من حمامات وبوفيه وساحة للألعاب بالمعنى المفهوم، بل لايوجد في اغلبها إجلاس للتلاميذ، ويأتي كل تلميذ بطوبة بلك لتصبح مقعدا له، ومن لم يفعل ذلك يجلس على الأرض، وشاهدت هذا المنظر في مدينة الصفوة الإسكانية في عامي 2022، 2023 م بمدرسة مربع 6 بنين وكان اقل فصل به 140 تلميذا، بالطبع لايسمعون مايقول به المعلم ولا يفهمون وهنا تصبح هذه المدرة ( حوش) للبقر حقيقة، ولكن جاء الجنجويد ففرقوا جمعهم أيدي سبأ واضحت تلك المدارس الطرفية خاوية على عروشها.
وفي بيت المال الحكومية الثانوية العامة ( المتوسطة ) وموقعها مازال في حي الملازمين الام درماني الأرستقراطي الشهير، وتقع شرق سوق النلازمين وجنوب غرب قمندانية البوليس ( رئاسة شرطة محلية ام درمان) وامام بوابتها ببضع أمتار الشارع المؤدي الى الاذاعة والتلفزيون بعد تجاوز مستشفى طب المناطق الحارة وكان هنالك مول أسمه المؤسسة وبه ما كنا جميعا نريده وهو ( الطحنية باللوز ).
ومن اولاد الدفعة الدكتور مصطفى احمد صابوني، عبدالمنعم حسن ابوحبل ، جمال حسن الصافي، ياسر السر علي ، الفاضل موافي عبدالفتاح ، عبدالمنعم حمزة احمد ، عبدالعزيز طه الحاج، عصام حسن ، شمس الدين محمد وهب الله ، خالد الفيل ، عصام عوض الماظ، ابراهيم كبرو ، ثم لم تسعفني الذاكرة.
وكانت لنا صداقات مع دفعتنا بالمدرسة الأهلية في صينية الأزهري ومنهم أسامة آدم ريحان ( سكسك) لاعب المريخ الشهير ، والعداءآن عبدالعزيز ويونس أشقاء عداء السودان الأول حسين انجلو ، والبقاري صالح الضو حماد الذي كان يرقص المردوم في ميدان الأهلية وحده مل يوم، فقد جاء الخرطوم للدراسة فقط ومازلت القرية في قلبه ، وغيرهم.
درسنا السنة الأولى في مدرجات كلية المعلمات بأم درمان، وكانت وزارة التربية حينها تأتي كل سنة بتلاميذ الصف الأول ليكونوا حقل تدريب وتجريب للمعلمين من خارج الكلية ليظهروا ملكاتهم التعليمية فيهم، وبعدها ينالوا الشهادة ورخصة مزاولة المهنة، وبما أننا لم نكن ذات يوم في (حوش) مدرسة بنات، فقد كنا في غاية الرهبة والخجل، ونحن على اعتاب المراهقة، والبنات بالطبع نظيفات وملمعات ونحن يكسونا غبار ام درمان الرهيب وبعضنا به غبار الابتدايية لم يغتسل منه بعد، فكانت طالبات الكلية ينتظرننا لتقول الواحدة منهن : يا شباب لو في واحد عنده قلم سمح دايرنوا للمديرة توقع بيهو.. وكنا نتسابق في اخراج اقلامنا، فتنتقي الجميلة الفاتنة قلمين او ثلاثة وتمضي، ونخجل ان نسألها عن القلم مرة اخرى.
وأذكر ان والدي رحمه الله كان قد حفزني بقلم تروبل ( ابوضنب ) جاء به من محلات ميرزا اليهودي بالسوق الأفرنحي الخرطوم، ولكن فاتنة من كلية المعلمات لفحته ومعه قلبي الصغير ومضت وضاع القلم ، فكانت تلك اول ( علقة ) في تلك المرحلة ولكنها كانت قوية ومن أبي- رحمه وغفر له وارضاه –
المدرج المعني كان شاهقا، وبه فصل دراسي لإجلاسه التلاميذ، وخلفهم المدرج به مقاعد وادراج كبيرة قليلا لاربعين معلما او معلمة حسب الدفعة، وفي كل مادة يدخل معلمون جدد ونظل نحن كما نحن، وفي بداية كل حصة يتحدث معلم المادة المجاز ومن ثم يتم انزال معلم تحت التمرين ليواصل ثم آخر وهكذا وبعد سماع الجرس ينزل المعلمون ويقتسمون التلاميذ فيما بينهم ويبدأ معلمك في تفحص الكراسات ويحل معك الواجب ويعيد عليك مالم تفهمه، وكنا نتضايق من هذا الإهتمام الخانق، ولكننا علمنا انه وفقا لنتيجة امتحانات الفترة الاولى والثانية، ستحدد درجات معلمي التمرين ومن نجح تلميذه بتفوق يتم منحه إجازة التدريس ومن رسب تلميذه يعيد الكرة مرة أخرى.
ويبقى (بوش) عم خوجلي بسوق الملازمين خالدا في الأزهان.، فقد كنا نتسور المدرسة (نطا) لكي نتناوله مع علمنا بضوابط مدير المدرسة (ممنوع الفطور خارج المدرسة) وخصص الخفيران التوم وشريك لقبض المخالفين ولكننا طبعنا معهما وكنا نأتي لهما بالهدايا دائما وذلك بعد ان انقذناهما في يوم خريف قوي من خور الملازمين وهما يطارداننا للقبض علينا، فسقطا فيه وشربا حتى انتفخت بطنيهما ، ولولا انقاذنا لهما لغرقا، فقد كان الخور عميقا وواسعا ومليئ بمياه السيل الجارف .
هذه السياحة سببها ان ابني عبدالله يجلس اليوم لإمتحانات الشهادة المتوسطة وهو آخر العنقود فقد هرمنا، هاهو يعيد الكرة بعدي بتسع واربعين سنة، وفقه الله وجعله من الناجحين وهو احد تلاميذ مدرسة دوحة العرب المتوسطة وأمه ما زالت تمسك بالطبشور فيها.
خروج اخير
أخي والي الخرطوم الهمام الأستاذ احمد عثمان حمزة، رغم مجهوداتكم الكبيرة في اعادة تطبيع الحياة في هذه الولاية الجريحة بسبب الحرب نقول لكم وانتم فاعلون: اعيدوا المدارس الحكومية الى سيرتها الأولى وخففوا اعداد التلاميذ ليستوعبوا الدروس، نحن درسنا في فصول كان بها 35 تلميذا فقط ، والآن شارف عدد التلاميذ بالمدارس الحكومية 150 تلميذا بالفصل الواحد .
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب الشهادة المتوسطة .. بين دوحة العرب الخاصة وبيت المال الحكومية و( حوش البقر )!!


