39.7 C
Khartoum
الأربعاء, مايو 27, 2026

الحوار السوداني… بشريات العيد وفرصة العبور نحو الدولة كتبت : محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

تتجدد الأمنيات مع أيام العيد المباركة، وتبقى قلوب السودانيين معلقة بحلم الوطن الآمن الذي تلتئم فيه الجراح وتعود إليه ملامح الاستقرار بعد سنين ثقيلة من الحرب والمعاناة. وفي خضم هذه الأجواء المفعمة بالدعاء والرجاء، جاءت تصريحات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بشأن إطلاق حوار وطني شامل لتُشكّل واحدة من البشريات التي تلقفها الشارع السوداني بكثير من الترقب والأمل، باعتبارها إشارة سياسية قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تستعيد فيها الدولة توازنها ووحدتها.

يحمل هذا الطرح أهمية استثنائية لأنه يعيد النقاش إلى الداخل السوداني، بعيداً عن رهانات الخارج ومسارات التفاوض التي أرهقت البلاد دون أن تنتج استقراراً دائماً. فالسودان الذي استنزفته التسويات المؤقتة لم يعد بحاجة إلى اتفاقات تُدار بعقلية تقاسم النفوذ، بل إلى مشروع وطني يعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة السيادة والاستقرار والمؤسسات.

يفرض الواقع السياسي ضرورة مراجعة البنية التقليدية التي حكمت المشهد لعقود طويلة وأسهمت بصورة مباشرة في تعميق الأزمات الوطنية. فالأحزاب والقوى التي انشغلت بمعارك السلطة أكثر من انشغالها ببناء الدولة لم تعد قادرة على تقديم حلول بحجم التحديات الراهنة، بعدما تحولت التجربة السياسية إلى دائرة مغلقة من الصراع والمحاصصة وإعادة إنتاج الفشل.

وتبقى قضية السلاح الاختبار الأهم أمام أي مشروع وطني جاد، إذ لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة بينما تتعدد التشكيلات المسلحة وتتوزع مراكز القوة خارج المؤسسة العسكرية الرسمية. استعادة السودان لعافيته تبدأ من ترسيخ مبدأ الجيش الوطني الواحد، وإنهاء أي وجود عسكري موازٍ، بما يضمن احتكار الدولة للقوة ويغلق أبواب الفوضى والنزاعات المستقبلية.

كما يحتاج السودان في هذه المرحلة الدقيقة إلى خطاب إعلامي أكثر اتزاناً ومسؤولية، يُعلي قيمة الوطن فوق الحسابات الضيقة، ويسهم في ترميم الوعي الجمعي بعدما أنهكته سنوات الاستقطاب والانقسام. فالمعركة اليوم ليست سياسية فقط، بل معركة استعادة الثقة في فكرة الدولة نفسها.

يقف السودان الآن أمام فرصة تبدو مختلفة في توقيتها وظروفها، بينما يترقب السودانيون خطوات عملية تُحوّل هذه البشريات إلى واقع ملموس. فالأوطان لا تُبنى بالخطب وحدها، بل بالإرادة التي تمتلك شجاعة اتخاذ القرار والقدرة على حماية المستقبل من أخطاء الماضي.

عيدٌ مبارك للسودان وشعبه، ولعلّ هذه الأيام تحمل بداية الطريق نحو وطنٍ يستعيد وحدته وهيبته وسلامه المفقود.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة