لم تكن الرسوم التي تُفرض على البضائع في المعابر الحدودية والطرق الداخلية مجرد أرقام تُسجل في دفاتر المحاسبة، بل تحولت إلى عقبة كأداء تعرقل حركة التجارة وتُثقل كاهل المواطن السوداني الذي بات يدفع ثمن السلع مرتين؛ الأولى كرسوم نقل، والثانية كزيادة في السعر النهائي. في مشهد يتكرر يومياً، يجد سائق الشاحنة نفسه مضطراً للتوقف عند عشرات النقاط غير الرسمية، حيث يلتقيه منسوبون من جهات متعددة يفرضون إتاوات بلا سند قانوني واضح، وسط غياب رقابة فاعلة تحدد الجهة المستفيدة وتفرق بين الرسم الشرعي والعبث الممنهج الذي أفقر التاجر والمواطن على حد سواء.
هذه الممارسات التي طالما شكلت هاجساً للمتعاملين مع المنافذ البرية والبحرية، دفعت إلى تفاقم الأزمة المعيشية ورفع كلفة الإنتاج بشكل غير مبرر. ففي كل ولاية، تختلف اللوائح وتتنوع المسميات للرسوم المفروضة على دخول الشاحنات، مما خلق حالة من الفوضى الإدارية التي تستغل لصالح أطراف غير معنية بتعظيم الإيرادات العامة بقدر ما هي معنية بتحقيق مكاسب آنية على حساب الاقتصاد الهش أصلاً. هذا التشابك بين الرسوم الرسمية وغير الرسمية جعل من الصعب على المواطن العادي التمييز بين ما هو حق للدولة وما هو ابتزاز ممنهج، ليصبح الجميع في النهاية ضحية لآلة جباية لا تعترف إلا بمنطق القوة وموقع الارتكاز.
في خطوة حملت بصمات واضحة لفهم عمق هذه المعاناة، جاء توجيه معالي رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، ليشكل تحولاً نوعياً في التعامل مع هذه الملفات الشائكة. التوجيه الذي شدد على عدم إضافة أي رسوم أو ضرائب جديدة في المعابر، وطلب من وزارة المالية والجمارك والضرائب والولايات وإدارة المعابر وضع التنفيذ الفوري موضع التطبيق، لم يكن مجرد قرار إداري عابر، بل هو إقرار ضمني بفشل السياسات السابقة التي جعلت من المعابر مصدراً لتكديس الأعباء بدلاً من أن تكون بوابة لتدفق السلع بسلاسة. إنها لحظة فارقة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، خاصة مع الدعوة الصريحة التي وجهها رئيس الوزراء للمواطنين بعدم الاستجابة لدفع أي رسوم إضافية أو غير مقننة، مؤكداً أن تلك الرسوم أفقرت المواطن ولم تُغنِ الدولة.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن تحويل هذا التوجيه من مجرد قرار نظري إلى واقع ملموس على الأرض؟ يتطلب الأمر وضع خطة ذكية للمتابعة لا تقتصر على التنسيق بين الجهات الرسمية فحسب، بل تمتد لرصد الأداء على النقاط والشوارع والارتكازات الرئيسية. فغياب آلية رقابية فعالة يعني أن الرسوم المحظورة قد تستمر في الظهور تحت مسميات جديدة أو عبر جهات مستفيدة من استمرار الفوضى. الأهم من ذلك هو ضرورة وضع قيود صارمة على منسوبي النقاط الأمنية والخدمية في الولايات، مع تفعيل آليات للمساءلة الفورية بحق أي مخالف، لضمان أن تتحول تعليمات رئيس الوزراء إلى سلوك راسخ لا يقبل الاجتهادات التي تعيد إنتاج الأزمة نفسها.
في التحليل النهائي، يمثل هذا القرار اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على استعادة ثقة المواطن من خلال حماية جيبه من الاستنزاف غير المبرر. فالتجربة أثبتت أن أي زيادة في الرسوم، حتى لو كانت رمزية، تنعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في الأسواق، مما يخلق دوامة تضخمية يصعب السيطرة عليها في مرحلة تتطلب تضافر الجهود لعبور البلاد إلى بر الأمان بعد سنوات من الحرب التي استنزفت البنى التحتية والاقتصادية.
في الختام، تبقى كلمة الشكر والتقدير موصولة لمعالي رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، الذي أثبت بقراره هذا أنه يضع هموم الوطن والمواطن نصب عينيه، وأنه يدرك أن أي رسوم جديدة لن تكون إلا عبئاً إضافياً على السلع المعيشية، مما يزيد الضغوط على مواطن أنهكته الأزمات المتتالية. إن الإحساس العميق بمعاناة الناس، والتحرك السريع لوقف نزيف هذه الرسوم، يعيدان الأمل في أن هناك قيادة تستمع وتستجيب، وأن الطريق نحو تخفيف المعاناة يبدأ من قرارات جريئة تحمي دخول المواطنين وتحرر حركة التجارة من قبضة الفوضى التي طالما استفاد منها غير الرسميين على حساب الجميع .
الرسوم و الجبايات معاناة للمواطن و نافذة للفساد✍️كتب/ حسن البصير


