حاول شباب السودان تقمصه وانتاج اغنيات على رويه، ولكنهم فشلوا في ان يجتذبوا جمهورا عريضا ، وتم التعويض عنه بشئ من التصرف بغناء ( القونات ) ومن اشهر اغنياته قبل سنوات اغنية بثتها الفضائيات السودانية ( كلاكلة لفة لفة.. كلاكلة لفة) ، ولكن النقاد ادرجوها في بند المنلوج فقط ولم تصل للراب لأن لغتها كانت نظيفة.
ولكن قبل أيام نقلت صحيفة “الأخبار” المغربية خبرا بعنوان “الأحزاب السياسية تتودد إلى مغنيي الراب” جاء فيه : ” مع اقتراب الانتخابات المقبلة، تسعى بعض الأحزاب المغربية إلى اعتماد استراتيجيات جديدة لجذب الناخبين الشباب. فشرعت تشكيلات مثل حزب “التقدم والاشتراكية”، وحزب “الأصالة والمعاصرة”، في إجراء اتصالات مع مغني راب مؤثرين، بهدف الاستفادة من شعبيتهم لدى جيل زد. وتدور المناقشات حول دعمهم خلال الحملات الانتخابية أو حتى إمكان ترشحهم. ويسعى هذا التوجه إلى تحديث الخطاب السياسي واستعادة التواصل مع قاعدة شبابية ابتعدت عن القنوات التقليدية”.
فكان رد الكاتب المغربي عبد السلام بنعبد العالي مفحما وقاسيا ومرا، ولكنه يحمل الحقيقة كاملة حين قال : ” في كتابه “التمييز .. نقد اجتماعي لملكة الحكم”، يبين عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو أن ما نسميه “الذوق” ليس مسألة فردية بريئة، بل هو بناء اجتماعي يتم تشكيله حسب موقع الفرد في البنية الطبقية. فما يعد من الفنون “راقيا” أو “ساقطا”، ليس نابعا من قيمة محض فنية، بل من تمثلات اجتماعية تغذيها التربية والتعليم، والرأسمال الثقافي، والوضع الاجتماعي.
من بين أنواع الرساميل التي “تمتلكها” الطبقات المهيمنة، هناك “الرأسمال الثقافي”، عن طريقه تفرض ذوقها وتجعله معيارا عاما. فحين تقصى بعض أشكال التعبير (مثل “الراب” أو الغرافيتي) بدعوى أنها أشكال “سوقية”، فإن ذلك يتم في الغالب باسم “الحكم الجمالي”، لكنه في العمق تعبير عن صراع رمزي بين من يملكون سلطة تعريف الفن، ومن يقصون من هذا الامتياز. فالفن “الراقي” غالبا ما يصنف كذلك لأنه يخاطب الذائقة التي تصوغها مؤسسات النفوذ الثقافي.
هذا التوازي يكشف أن الذوق ليس ذوقا إلا بقدر ما يكون علامة على انتماء طبقي، وأن الثقافة قد تتحول إلى زي يرتدى أكثر مما تعاش “
وفي مقال شائق بعنوان: “أزياء راقية، ثقافة راقية”، يحاول بورديو أن يصف الكيفية التي يصنع بها “الرقي”. وهو يرى أنه كما أن هناك “أزياء راقية” هي التي تمثل قمة الذوق في عالم الأزياء، هناك أيضا ما يصطلح عليه ضمنيا بـ”الثقافة الراقية”، وهي ثقافة مؤسساتية تتحدث بلغة “الأصول”، وتتزين برأسمال رمزي معتبر. لكن، كما أن “الأزياء الراقية” لا تصمم للجميع، فكذلك “الثقافة الراقية” ليست موجهة إلى كل الأذواق. فهي تقدم على مقاس نخبة تتذوق وتستبعد، تقوم وتقصي، تقرر ما هو “فن راق”، وما هو “فن ساقط”.
ويقول عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو ان
الثقافة الراقية” تضع نفسها في مواجهة “الثقافة الحية”، تماما كما توضع “أزياء المنصات” في مواجهة “ألبسة الشارع”. إذا كانت الأزياء الراقية لا تلبسها إلا قلة، فإن الثقافة الراقية لا تخاطب إلا قلة كذلك. هذا التوازي يكشف أن الذوق ليس ذوقا إلا بقدر ما يكون علامة على انتماء طبقي، وأن الثقافة قد تتحول إلى زي يرتدى أكثر مما تعاش.
فغناء “الراب”، مثل الغرافيتي، والملابس الحضرية أو “لباس الشارع”، هي كلها “خارج النظام” لأنها لم تصنع داخل قاعات العرض ولا صالات الفنون، لكنها تعبر، وتحتج، وتبتكر أشكالها الخاصة. قد يبدو “الراب” فنا “ساقطا” في نظر من يملك رأسمالا ثقافيا “كلاسيكيا”، ليس لأنه كذلك موضوعيا، بل لأنه لا ينسجم مع منظومته.
“الراب” لم يولد في الأوساط الميسورة، بل نشأ في بيئات تعاني الإقصاء، كوسيلة كلامية واحتجاجية للتعبير عن التهميش، والعنصرية، والفقر، وتناقضات المدينة الحديثة. في هذا المعنى، هو ليس فنا ساقطا بل فن “الذين سقطوا عن عيون السلطة”، أو أولئك الذين لم يسمح لهم بالكلام. إذا كان “الراب” يقول ما لا تقوله اللغة المهذبة، فلأنه نتاج واقع غير مهذب أصلا.
من ينتظر من الفن أن يكون نظيفا ومهذبا دائما، يغفل عن أن الفن أحيانا يكون صفعة لا مرآة. حين يزعجك “الراب”، ربما لا يزعجك الصوت أو الإيقاع، بقدر ما يزعجك ما يفضحه من واقع.
خروج اول
ويدافع احد المثقفين الفرنسيين عن الراب بقوله: ” في ظروف التهميش والإقصاء، تغدو اللغة الرسمية “فاشلة”، بل إنها تعد أداة إقصاء بحد ذاتها. فماذا يفعل من لا يجيد “اللغة المقبولة”؟ إنه يبتكر لغة بديلة، لغة مشحونة بالصراخ، مثقلة بالتكرار، مليئة بالعاميات والانزلاقات. لكنها لا تبدو فقيرة إلا إذا قسناها بمعجم تقليدي.
لغة “الراب” لا تستهدف “التبليغ”، إنها ليست ناقلة للمعنى، بل للـحركة، للغضب، للرفض. لذلك فإنه لا “يدون”، بل “يؤدى”. لا تهمه كثيرا اللغة التي تؤطرها القواعد والمعاجم. لا يعني ذلك أنه “يقتل” اللغة ويقضي عليها، وإنما يعيد إليها نبضها الجسدي، وحياتها الأولية. لذا، غالبا ما يصدر “الراب” من حنجرة مبحوحة، من جسد يغلي حياة، وينبض إيقاعا.
خروج اخير
قد يبدو “الراب” فنا “ساقطا” في نظر من يملك رأسمالا ثقافيا “كلاسيكيا”، ليس لأنه كذلك موضوعيا، بل لأنه لا ينسجم مع منظومته


