في لحظة تتصاعد فيها حدة الاستقطاب وتتشابك فيها الرسائل، تخرج تغريدة وكأنها وثيقة سياسية لا تحتمل التأويل، تحمل في سطورها وعوداً تُقرأ كتعهدات، وخطوطاً حمراء تُرسم وكأنها قوانين ثابتة. لكن سرعان ما يكتشف المتلقي أن هذه التغريدة لم تكن سوى قطعة في رقعة شطرنج معقدة، حيث الكلمات فيها لا تعكس النوايا بقدر ما تخفيها. إنها تغريدة خالد سلك الخائن لوطنه وشعبه، التغريدة التي تحدثت عن هدنة ضمنية وتعهدات بعدم استهداف المطارات، والتي ما إن جف حبرها حتى أثبتت الأحداث الميدانية أنها لم تكن مجرد تصريح عابر، بل محطة مفصلية في سلسلة من المناورات التي تحمل في طياتها خبثاً مقصوداً وتوقيتاً مدروساً بدقة.
يكمن الخبث الأول في توقيت التغريدة ذاته، الذي جاء في لحظة تتصاعد فيها حالة الترقب والبحث عن أي بارقة أمان. فمن المعروف أن إطلاق مثل هذه التصريحات في أوقات التوتر العالية يخلق حالة من الانفراج الوهمي، ويدفع نحو استرخاء اليقظة، خصوصاً عندما تصدر ممن يحسبون أنفسهم جهات مؤثرة. لكن سرعان ما انكشف أن هذا التوقيت لم يكن بريئاً، بل جاء ليمهد لمرحلة جديدة من التصعيد تحت غطاء التضليل. فالهدف لم يكن تقديم تنازلات حقيقية، بل خلق مناخ من الثقة الزائفة يكون بمثابة فخ لمن يلتقطها على محمل الجد.
أما الخبث الأعمق فيكمن في المضمون نفسه، حيث صيغت التغريدة بلغة توحي بالثقة المطلقة والقدرة على فرض شروط اللعبة، متضمنة رسائل جانبية تفيد بأن ثمة توافقاً خفياً أو تفاهماً غير معلن. هذه الصياغة الذكية تحمل في داخلها بذور الانقسام، فهي من جهة تزرع الشكوك حول مصداقية أي طرف آخر قد لا يلتزم بما لم يكن طرفاً في الاتفاق من الأساس، ومن جهة أخرى تحاول خلق حالة من الإرباك، لكن الشعب السوداني الواعي المتيقظ لم يعد ينخدع، فقد أدرك أن هذه طريقة كلاسيكية في حروب الرسائل تهدف إلى شق الصفوف وإضعاف الثقة، وأن تغريدة خالد سلك ليست سوى صوت خائن يحاول تقديم رواية مغايرة.
لكن المفاجأة التي أطاحت بكل محاولات التضليل جاءت سريعة وحاسمة، فما أن مرت ساعات قليلة حتى انكشف الوجه الآخر لهذه التغريدة، عندما أثبتت التطورات اللاحقة أن الوعود التي أطلقت لم تكن سوى غطاء لنوايا مختلفة تماماً. هذا الانكشاف السريع لم يكن مجرد إحراج لمطلق التصريح، بل كشف عن خبث أعمق يتمثل في محاولة استباق الأحداث لتوجيه السردية وفق ما يخدم أجندات لا علاقة لها بمصلحة أحد سوى من يقفون خلف الكواليس. لقد تحولت التغريدة بفعل التناقض بين ألفاظها ونتائجها إلى دليل قاطع على أن الغرض الأساسي منها لم يكن الإخبار، بل التضليل واستدراج ردود فعل يمكن توظيفها لاحقاً في سياقات مغايرة.
إن ما يتطلبه المشهد في مثل هذه اللحظات هو وعي شعبي لا ينخدع بجمالية العبارات ولا يمنح الثقة لمن سبق أن ثبتت خيانتهم، وقد أدرك الشعب كواليس خباياهم وخبث تفكيرهم. على كل سوداني أن يدرك أن حروب الكلمات لا تقل خطورة عن حروب الميدان، وأن التصريحات التي تخرج في توقيتات مشبوهة غالباً ما تحمل أهدافاً لا تعلن. إن قراءة الرسائل بنقد وتمحيص، والتحقق من الوقائع قبل الانسياق خلف الوعود البراقة، هو الدرع الأول في مواجهة محاولات التلاعب بوعي الشعب السوداني. فكل تغريدة تحمل في طياتها أجندة، وكل وعد يطلق في زمن الالتباس يحتاج إلى برهان ميداني قبل أن يصبح حقيقة.
في الختام، تبقى هذه الحادثة درساً مفتوحاً على ضرورة تحصين الصف الداخلي بالوعي واليقظة، فالشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً من معاناته يستحق أن يقرأ الأحداث بعيون لا تخدعها الشعارات. أما ما على القوات المسلحة فعله في مثل هذه الظروف، فهو مواصلة أداء واجبها بحزم ومسؤولية، واضعة نصب عينيها حماية البلاد والعباد، غير مكترثة بغوغاء التصريحات التي لا تقدم ولا تؤخر أمام الحقائق الميدانية. إن الثقة الحقيقية لا تُمنح عبر تغريدات تتناقض مع ذاتها، بل تبنى بإجراءات ملموسة تحفظ الأمن وتقطع الطريق على كل من يريد بالبلاد سوءاً.


