36.3 C
Khartoum
الخميس, أبريل 9, 2026

بين انكسار الحصار ودهاء السوق د.رائد ناجي

إقرأ ايضا

في لحظة دولية مشبعة بالتوترات، حيث تتقاطع المصالح مع الضرورات، وتتماهى السياسة مع الاقتصاد، يبرز قرار رفع العقوبات عن جزء من النفط الايراني كاشارة لا تخلو من دلالات عميقة، تتجاوز ظاهرها التقني الى جوهرها الجيوسياسي. فليس النفط مجرد سلعة، بل هو اداة نفوذ، وورقة ضغط، ومرآة تعكس اختلالات النظام الدولي.
ان هذا القرار، في جوهره، ليس تنازلا مجانيا، بل هو اعادة تموضع في لعبة معقدة، تحكمها ازمات الطاقة العالمية، وتداعيات الحروب، واحتياجات الاسواق المتعطشة للاستقرار. فالعالم، الذي وجد نفسه في دوامة اضطراب امدادات الطاقة، بات يبحث عن اي متنفس، حتى وان جاء من خصم تقليدي. وهنا، تبرز ايران، لا كدولة معزولة، بل كفاعل يملك مفاتيح مؤثرة في سوق النفط.
رفع العقوبات جزئيا عن النفط الايراني يعني، عمليا، اعادة ضخ كميات اضافية في السوق، وهو ما قد يسهم في تهدئة الاسعار، او على الاقل كبح جماح ارتفاعها. لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد الى اعادة تشكيل توازنات العرض والطلب، وخلق هوامش جديدة للمناورة لدى القوى الكبرى. فكل برميل ايراني يدخل السوق، هو رسالة سياسية قبل ان يكون رقما اقتصاديا.
ومن زاوية اخرى، يمثل هذا القرار اعترافا ضمنيا بفشل سياسة الخنق الكامل، التي سعت الى شل الاقتصاد الايراني وفرض تغيير في سلوكه السياسي. لقد اثبتت التجربة ان العقوبات، مهما بلغت شدتها، لا تقضي على الدول، بل تدفعها الى ابتكار مسارات بديلة، قد تكون اكثر تعقيدا، واقل قابلية للضبط. ومن هنا، يبدو رفع جزء من هذه العقوبات اشبه بمحاولة اعادة ادارة الازمة، لا حلها.
ايران، من جانبها، تقرأ هذا التحول بوعي استراتيجي. فهي تدرك ان الانفراج، ولو كان محدودا، يمنحها متنفسا اقتصاديا، ويعزز قدرتها على التفاوض. لكنه في الوقت ذاته، يحمل في طياته فخا محتملا، اذ قد يتحول الى اداة ابتزاز جديدة، اذا ما ارتبط بشروط سياسية او امنية. لذلك، ستسعى طهران الى استثمار هذا الهامش دون الارتهان له، محافظة على توازن دقيق بين الانفتاح والحذر.
اما الدول المنتجة الاخرى، وعلى راسها دول اوبك، فهي تتابع هذا التطور بعين القلق. فدخول النفط الايراني بشكل اوسع الى السوق، قد يربك حسابات الحصص، ويضغط على الاسعار، ما يستدعي اعادة تنسيق داخل المنظمة. وهنا، تبرز معضلة كلاسيكية: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحفاظ على استقرار السوق، وضمان مصالح الدول المنتجة؟
وفي سياق اوسع، لا يمكن فصل هذا القرار عن التحولات الكبرى في النظام الدولي. فالعالم يتجه، ببطء ولكن بثبات، نحو تعددية قطبية، حيث لم تعد الهيمنة المطلقة لقوة واحدة امرا مسلما به. وفي هذا المشهد، تصبح القرارات الاقتصادية، كرفع العقوبات او فرضها، جزءا من لعبة اعادة توزيع النفوذ، لا مجرد اجراءات فنية.
كما ان هذا التطور يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العقوبات كاداة في العلاقات الدولية. هل ما زالت فعالة كما كانت؟ ام انها بدأت تفقد بريقها، في ظل قدرة الدول المستهدفة على الالتفاف عليها؟ الواقع يشير الى ان العقوبات، رغم استمرارها، لم تعد سلاحا حاسما، بل اداة ضمن حزمة ادوات، تتطلب دعما سياسيا ودبلوماسيا لتحقيق اهدافها.
وفي المحصلة، يمكن القول ان رفع العقوبات عن جزء من النفط الايراني ليس نهاية ازمة، بل بداية مرحلة جديدة من ادارتها. مرحلة تقوم على البراغماتية، وتغليب المصالح على الشعارات، ومحاولة تحقيق توازن هش بين الضغوط والانفراجات. انها لعبة شد وجذب، لا غالب فيها ولا مغلوب، بل رابحون مؤقتون، وخاسرون مؤجلون.
ان السؤال الاهم، الذي يظل معلقا، هو: هل يمكن لهذا الانفراج الجزئي ان يتحول الى مسار دائم نحو تسوية شاملة؟ ام انه مجرد هدنة تكتيكية، سرعان ما تتبدد مع تغير موازين القوى؟ الاجابة، كما يبدو، ليست في القرار ذاته، بل في السياق الذي سيتشكل حوله، وفي ارادة الفاعلين الدوليين على تحويل الفرص الى حلول، او تركها تتلاشى في زحام الصراعات.
وهكذا، يظل النفط الايراني، بكل ما يحمله من رمزية وثقل، عنصرا مركزيا في معادلة دولية معقدة، تتغير معالمها كل يوم، لكن جوهرها يبقى ثابتا: صراع على النفوذ، تحت غطاء الاقتصاد، وبادوات السياسة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة