جاء إعلان تعيين مولانا سيف اليزل محمد سري في منصب مساعد النائب العام لجمهورية السودان ليشكل محطة فارقة في مسار المؤسسة القضائية، إذ لم يقتصر الأمر على شغور المنصب فحسب، بل تعلق بملامح الرجل الذي طالما ارتبط اسمه بالجدية والبصمة المهنية الواضحة على مدى أكثر من ربع قرن من العمل الدؤوب داخل أروقة النيابة العامة. ففي زمن تتصارع فيه الولاءات وتتشابك الحسابات، يظل اختيار الكفاءة من داخل الحوش – كما يصف المراقبون – رسالة مفادها أن مؤسسة العدالة لا تزال متمسكة بمعايير الموضوعية والتراكم المهني، بعيداً عن الصخب الذي يعلو أحياناً في سياقات مشابهة.
التنقل بين نيابات ولايات كردفان ودارفور والبحر الأحمر والشمالية والخرطوم لم يكن مجرد ترحال وظيفي، بل رحلة تأسيسية حقيقية في مدرسة التحقيق الجنائي، حيث اصطدم صاحبها بتنوع الثقافات وتعقيد القضايا ورهانات الميدان. ومن يعرف مولانا سيف اليزل عن كثب يدرك أنه عمل في الإدارة القانونية للأمانة العامة لمجلس الوزراء، حيث كان ديدنه المثابرة وإنجاز المهام بروح الفريق الواحد، وهي صفات لا تُكتسب من فراغ بل تُبنى عبر عقود من الانضباط والصمت المهني الفاعل. غير أن اللافت في ردود الأفعال المتتابعة على وسائل التواصل لم تكن مجرد مجاملات اعتيادية، بل تجاوزتها إلى تحليل موضوعي لأسباب الارتياح، لعل أبرزها أن الرجل لم تُعرف له مواقف عدائية مع أحد، وهي سمة نادرة في بيئة قد تختبر فيها الخصومات الشخصانية أحياناً على حساب المصلحة العامة.
لكن السمة الأكثر جوهرية، والتي قد لا تلتقطها العناوين العاجلة، هي إيمان الرجل العميق بالإدارة التشاركية. في ظل استفحال ظاهرة “لا أريكم إلا ما أرى” التي تحول المؤسسات أحياناً إلى مسرح للإملاءات الفردية، يشكل حضور مدير يؤمن بأن العقول تصنع الفارق تحولاً نوعياً يمكن أن يعيد الاعتبار للعمل الجماعي. تشير التجارب المقارنة في مؤسسات العدالة حول العالم، كما وثقتها دراسات صادرة عن مراكز بحثية قانونية دولية، إلى أن نجاح أي نيابة عامة لا يقاس بعدد القضايا المنجزة فقط، بل بدرجة الانسجام الداخلي وثقة الموظفين في قيادتهم، وهنا يبدو أن الاختيار قد صادف أهله.
في الختام، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريكات لمولانا سيف اليزل محمد سري بمناسبة نيله ثقة مجلس السيادة، سائلين الله أن يوفقه في مهامه الجديدة، كما نتقدم بالشكر والعرفان لمجلس السيادة على هذا الاختيار الموفق الذي يعزز مسيرة العدالة، وكلنا ثقة بأن الرجل سيكون عند حسن الظن، ومبارك للنيابة العامة والحقل القانوني هذا الإنجاز.


