اكملت قبل فترة كتابه الثري (الحاكمية) وبين يدي الان كتابه الثاني (الاسلامية العالمية الثانية) الذي اهداه لي صديقي العزيز الدكتور عبدالعزيز رحمة جزاه الله عني كل خير اذ لا يكاد يجد شيئا ذي فائدة الا ويكلف نفسه عناء وكلفة ارساله لي وهو الذي يعيش في قارة اخري بغير القارة التي اعيش !…
هذا الكتاب (الثاني) للراحل ابوالقاسم حاج حمد هو نتاج لقصة عجيبة حدثت للراحل عندما قرر بان يخلو بنفسه في جبال لبنان لسنوات اربع فما كان منها -اي القصة العجيبة-الا ان اودت به الي الشروع في تاليف هذا الكتاب الفخيم!…
وقفتي الاولي -وهي ام الوقفات- مع مفردة (الحاكمية) التي انفرد راحلنا ابوالقاسم حاج حمد بسبر لغورها وتوصيف اجده غاية في العمق والشمول قياسا علي تعريفي وسياقي الشيخين ابوالاعلي المودودي وسيد قطب اللذين اسبغا عليها -اي الحاكمية-الماال السياسي والمنهجي باكثر من المراد الفقهي والفلسفي للكلمة!…
فالحق اقول كم توقفت قبل قراءاتي لايرادات راحلنا ابوالقاسم حج حمد عن الحاكمية امام المراد بحاكمية الله علي اطلاقها ومن ثم استخلافه للانسان في الارض وما هو الرابط والقاسم بين المرادين؟!
يقول الدكتور محمد الناصري وهو الذي قام بتحقيق كتاب راحلنا ابوالقاسم حاج حمد عن الحاكمية:
وتأتي الحاكمية الإلهية عند المؤلف بمعنى (حكم الله المباشر للناس دون استخلاف بشري وهو حكم يتميز بالهيمنة المباشرة على البشر وعلى الطبيعة في آن واحد مع التصرف الإلهي فيهما (البشر والطبيعة) تصرفاً محسوساً وملموساً من وراء حجاب).
وبهذا ينفي أبو القاسم الفهم الذي يعتبر أن الحاكمية الإلهية هي الالتزام بشرع الله أو رد التشريع إلى الله وقيام خليفة أو سلطة دينية تنوب عنه في الأرض إذ يصرح أنه ليس للحاكمية الإلهية أي علاقة بهذه المعاني.
وقد اعتبر الحاج حمد أن الحاكمية الإلهية كانت جوهر العلاقة بين الله والحالة التاريخية الإسرائيلية وهي علاقة استوجبت قيام مملكة لله في الأرض يدير شؤونها الله بنفسه لا بمنطق الاستخلاف البشري عنه.
حاكمية إلهية كان من نتائجها أن أسبغ الله على الأرض التي اختيرت لهذا الحكم الإلهي المباشر صفة التقديس وقد خاطب موسى قومه بهذا المعنى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}(المائدة: الآية 21) كذلك أسبغ على مجموعة القبائل الإسرائيلية المحكومة بالحاكمية الإلهية صفة التفضيل وقد خاطبهم الله بهذا المعنى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: الآية47) ارتباطاً بهذه الحاكمية الإلهية المباشرة (قُدِّست) الأرض (فُضِّل) الشعب.*
لقد قضت الحاكمية الإلهية أن يهيمن الله على الإنسان والطبيعة معاً ولذلك تميَّزت التجربة الإسرائيلية بخوارق هيمن الله بها على الإنسان والطبيعة {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} (البقرة: الآية50) {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} (البقرة: الآية60) {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} (الأعراف: الآية160).
بناء على ما سبق فالحاكمية الإلهية هي هيمنة مباشرة على الإنسان والطبيعة وإن تقديس الأرض وتفضيل الشعب من متعلقات الحاكمية الإلهية ولأن البشر عند الله أكفاء لا يعود التقديس لذات الأرض أو التفضيل لذات الشعب وإنما هما من متعلقات الحاكمية الإلهية.
وبهذا الفهم يرفض الحاج حمد المقابلة بين حاكمية الله وحاكمية البشر ويعتبرها غير مستقيمة إذ يقول: «إن طرح المقابلة بين حاكمية الله وحاكمية البشر أمر لا يستقيم فلسفيًّا وفق منهجية القرآن المعرفية وذلك للفارق الجوهري بين الطبيعتين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية فالطبيعة الإلهية أزلية تمارس الحاكمية بأشكال مختلفة طبقاً لمقتضيات مكان الإنسان وزمانه دون أن تسلبه ودون أن يكون هذا الإنسان مكافئاً لها مهما منحته من حاكمية خاصة به أو سلبته إياها.
وقبل الاستطراد مع راحلنا ابوالقاسم حاج حمد عن الحاكمية ينبغي لي ايراد مفهوم الشيخين ابوالاعلي المودودي وسيد قطب عنها…
اليكم جانبا من منقول اجده يبين لنا جليا خلاصة راي الشيخين عن الحاكمية وساذيله بالرابط لمن يود القراءة اكثر عن رايي الشيخين الجليلين ابوالاعلي المودودي وسيد قطب رحمهما الله:
تدور هذه الأفكار التي بثها سيد قطب في مجمل كتبه، وتبعه بعدها محمد قطب حول نظرية «الحاكمية» التي أصبحت منهجا فكريا لدى مجمل التيارات والحركات الإسلامية الأصولية والجهادية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
يعد أبو الأعلى المودودي – الأصولي الهندي ثم الباكستاني، وهو الأب المؤسس لأفكار الإسلام السياسي – أول من أطلق نظرية الحاكمية وأصَّلها، ثم انتقلت بعد ذلك لأبرز تلاميذه سيد قطب، وبعدها تشكلت منهجا أساسا في المدرسة القطبية.
عندما أسس المودودي «الجماعة الإسلامية» في لاهور عام 1941، وضع كتابه التأسيسي «المصطلحات الأربعة في القرآن: الإله والرب والدين والعبادة». ونشر فصوله بعد ذلك، تباعا، في مجلة «ترجمان القرآن»، وضمن نصوصه يقرر المودودي فكرة الانفصال عن «المجتمع الجاهلي» من خلال تأسيس «جماعة مؤمنة» تعيد المجتمع إلى مساره الصحيح، حيث يقول: «لا بد من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع كل صلاتها بكل شيء سوى الله وطريقه، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة، وتلفيق الاتهامات، وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والبطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار».
* التمرد الشامل لتحقيق أهداف الحركة
* يؤكد المودودي أن الطريق في سبيل الوصول إلى تحقيق «توحيد الحاكمية»، لا بد أن تستخدم من أجله كل الوسائل حتى «العنف»، لأن «الإسلام يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام، ويريد قطع دابرها، ولا يتحرج في استخدام القوة الحربية لذلك، وهو لا يريد بهذه الحملة أن يكره من يخالفه في الفكرة على ترك عقيدته، والإيمان بمبادئ الإسلام، إنما يريد أن ينتزع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة، حتى يستتب الأمر لحملة لواء الحق، وعليه فإن الإسلام ليس له – من هذه الوجهة – دار محدودة بالحدود الجغرافية يذود ويدافع عنها، وإنما يملك مبادئ وأصولا يذب عنها، ويستميت في الدفاع عنها، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله».
هذه «الجماعة المؤمنة المقاتلة» كانت هي القاعدة الصلبة في مشروع سيد قطب كما في كتابه «معالم في الطريق»، والحل الذي قدمه محمد قطب كما في كتابه «واقعنا المعاصر». ففي فصل بعنوان «هذا هو الطريق» يستلهم قطب قصة أصحاب الأخدود: «فهي قصة فتية آمنت بربها واستعلت بحقيقة إيمانها ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق الإنسان وكرامته، فأصبحوا يتسلون بآلام هؤلاء الفتية ويتلهون بمنظرهم أثناء التعذيب»، في إسقاط مباشر على تلك الفترة التي تعرضت فيها جماعة الإخوان المسلمين لحملة من الاعتقالات، بعد توجيه اتهامات لها بتدبير محاولات انقلابية في مصر عام 1954؛ لذلك يقدم قطب الحل في أنه «لا بد من ثورة شاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. ذلك الحكم الذي مرد الأمر فيه للبشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر». وامتدادا لفكرة المودودي في الثورة الشاملة، يرسم قطب الطريق المفصل لهذه الثورة، التي لن تكون فقط بالبيان والحجة واللسان، «وإلا فما كان أيسره من عمل لو كان كذلك».. لكن هذه الثورة الشاملة على الأنظمة تبدأ من خلال «إعلان حركي واقعي»، «يتخذ شكل (الحركة) إلى جانب (البيان) ليواجه الواقع البشري بكل جوانبه بوسائل متكافئة لكل جوانبه». هذه الحركة التي تسعى لتحقيق الحاكمية تقوم على المنهج الحركي المتدرج، حيث تفضي كل خطوة إلى الأخرى، ثم إلى تحقيق الهدف الأخير: «فهي حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها، فالحركة لا تقابل الواقع بنظريات متجمدة»، كما يقرر ذلك سيد قطب في فصل بعنوان «الجهاد في سبيل الله» ضمن كتابه «معالم في الطريق».
* التدمير لـ«جاهلية» القرن العشرين
* امتدادا لهذه المدرسة الغائرة الأثر في فكر الحركات الأصولية والجهادية، جاء محمد قطب واضعا عددا من المؤلفات التي تقرر هذا المبدأ بوضوح ولا مواربة، دار في أفكار أخيه سيد نفسها التي أسسها قبلا أبو الأعلى المودودي.
في كتابه «جاهلية القرن العشرين»، يقرر محمد قطب أن البشرية «جمعاء» تعيش في جاهلية شاملة: «فالطاغوت الحاكم في الأرض وصل لحد حاسم، وانقلب الخير حسيرا لا يملك أمرا في ظل الطاغوت.. وقد اقتربت تدخلات الإرادة الإلهية الحاسمة، فالناس يختارون لأنفسهم إما التدمير الشامل إن ظلوا فيما هم فيه من شرود عن منهج الحق، وإما الهدي إلى دين الله.. فلا بد من إفراد الحاكمية لله».
ينتقل محمد قطب مفصلا الحديث نحو حال المجتمعات الإسلامية: «تلك الجاهليات التي تقول إنها تعرف الله، وتظن أنها تؤدي العبادة الحقة لله.. كل هذه الجاهليات تجادل في الأمر وتظن أنها على حق، لكن كيف يعقل، وكيف يعبدون الله – في زعمهم – وهم يأخذون نظام حياتهم من غير الله».
وان نسيت فلا أخالني أنسى (ملاواتي) لأستاذي الشيخ محمد قطب شقيق سيد قطب رحمه الله وكتب له الشهادة وذلك عندما كان أستاذا أدرس على يديه مادة الثقافة الاسلامية في جامعة أم القرى…
فقد كنتُ أكثر من سؤاله وأجادله حول المعنى الذي يودنا أن نستظهره ونوقن به عن (حاكمية الله) وكذلك (استخلاف بني آدم)…
فقد (بدا) لي جلياً بأن مفهوم أبو الأعلى المودودي وسيد قطب قد (حُشِرَ حَشُرَاً) في زاوية بعينها وكنت أرى المعنى أشمل وأوسع من ذلك بكثير!…
ولن أنس يوما رفعتُ فيه يدي لأسأل عن أمر آخر خلال محاضرة له فاذا به يقول لي:
يا العسوم ان كنت تريد السؤال عن الحاكمية والاستخلاف فأرجو أن تؤجل ذلك الى مساء الخميس خلال محاضرتي في نادي مكة الثقافي …وقد كان
ولعلي أعود لأحكي عن الذي حدث خلال تلك المحاضرة الثرية والمشهودة.
لكنني أود العودة للأجواء والملابسات التي اكتنفت كُلاً من راحلَينا أبو الأعلى المودودي وسيد قطب فما كان منها الاّ أن تركت بصماتها جلية على المفهوم الذي أتيانا به عن الحاكمية واستخلاف الانسان في الأرض!…
أبو الأعلى المودودي أو أبو العلاء المودودي ولد ونشأ في الهند (12 رجب 1321 هـ – 31 ذو القعدة 1399 هـ) في ولاية حيدر آباد في أسرة مسلمة متدينة وأصرَّ والده على أن يعلِّمه في البيت علوم اللغة العربية وعلوم ومعارف الاسلام من فقه وتفسير وحديث وسيرة ولم يسمح له بالالتحاق بالمدارس الانجليزية المنتشرة في أرجاء ولاية حيدر آباد ….
وما ان أكمل أبو الأعلى تعليمه الاّ والتحق بالعمل في الصحافة عام 1337 هـ ليصدر لاحقا مجلة ترجمان القرآن عام 1351 هـ. التي لم تزل تواصل صدورها الى اليوم…*
ومالبث الراحل الاّ أن أسس الجماعة الإسلامية في الهند عام 1360 هـ وقادها ثلاثين عاما ثم اعتزل الإمارة لأسباب صحية عام 1392 هـ وتفرغ للكتابة والتأليف.
أبو الأعلى المودودي قد اعتقل في باكستان ثلاث مرات وحكم عليه بالإعدام عام 1373 هـجرية ثم خفف حكم الإعدام إلى السجن مدى الحياة نتيجة لردود الفعل الغاضبة والاستنكار الذي واجهته الحكومة آنذاك ثم اضطروا بعد ذلك إلى إطلاق سراحه كما تعرض المودودي لأكثر من محاولة اغتيال وهو صاحب فكرة ومشروع إنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وبعد إنشائها صار عضوا في مجلس الجامعة ثم انه قد كان عضوا مؤسساً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي وله من المؤلفات الكثيرة عدها بعضهم فتجاوزت الستين كتابا وتوفي في 31 ذو القعدة من عام 1399 هـ ودفن في ساحة منزله بمدينة لاهور الباكستانية رحمه الله وغفر له…
عند استعراضنا لحراك حياة الرجل نجده قد نشأ وترعرع في محيط (هندوسي) و(مسيحي) يترصد الاسلام وأهله في الهند ولنا هنا أن نستصحب الاضطرابات التي وقعت هناك اثر مقتل زعيم حركة (اكراه المسلمين على اعتناق الهندوسية) الهندوسي الحاقد على الاسلام والمسلمين سوامى شردهانند الذي قتل في عام 1926 ليواجه المسلمون هجوماً عنيفاً من الحكومة الهندية والهندوس فكان أبو الأعلى المودودي من بين الشباب المسلم الذين وقفوا في وجه الهجوم ليصدر في خضم ذلك كتابه الأول (الجهاد في الإسلام) ثم قام بإنشاء الجماعة الإسلامية للدعوة لله وإقامة المجتمع الإسلامي في عام 1941م…
اتكاء على كل ذلك واستصحابا لهذه الأجواء العصيبة فقد حدث ميلاد (مفهوم) أبو الأعلى المودودي عن الحاكمية واستخلاف الانسان في الأرض!…
فهل يتوقع أيما قارئ أو ناقد مفهوما عن الحاكمية واستخلاف الانسان في الأرض بغير الذي أتانا به الرجل؟!
أما الراحل سيدقطب رحمه الله فقد أسس رؤاه عن (الحاكمية واستخلاف الانسان) على ذات الأساس الذي بنى عليه الشيخ أبو الأعلى المودودي مفهومه عن ذلك…
ولان كان قد اكتنف حياة الشيخ أبو الأعلى المودودي الكثير من التربص والأذى فان الذي أكتنف حياة الشيخ سيد قطب لهو أشد وأنكى وأظلم!…
فقد عاد سيد قطب بعد أكمال دراسته في أمريكا مُحِبَّا لمنهج الأخوان المسلمين حيث بان ذلك في كتابه الفخيم (العدالة الاجتماعية في الإسلام) عندما كتب في ديباجة اهدائه الآتي:
(الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون).
ثم أتبع سيد قطب كتابه هذا بكتابين آخرين يغلب عليهما المزاج الأدبي وقد كانا يُعنيانِ بصراع النهج الغربي الذي رآه يتمشى في مفاصل الحراك الثقافي والاجتماعي في مصر لكنه مافتئ مأخوذا خلال سرابات سياقاته ب(روح منهج الاخوان المسلمين) فلا تخطئ العين المبصرة ذلك في عباراته الفخيمة مثل هذه العبارة التي كم توقفت لديها والله:
(إن السر العجيب في قوة التعبير وحيويته ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات وإنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلول وإن في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية المعنى المفهوم إلى واقع ملموس).
ويومها لم يكن للرجل أيما انتماء تنظيمي بالجماعة…
انما هي أشواق لم يلبث الأخوان المسلمين الاّ أن تلمسوها فتحلقوا حوله واحتضنوه فتوطدت علاقته بهم ليساهم من بعد ذلك في تشكيل المجلس التأسيسي للجماعة فكان المدني الأوحد الذي يشارك في اجتماعات مجلس الثورة التي قام بالتخطيط لها الضباط الأحرار بقيادة الراحل محمد نجيب…
لكن سيد قطب لما فيه من رهافة وحس أدبي لم يطب له المقام مع (ضباط الجيش) فنأى بنفسه عنهم وعاد الى كتاباته الأدبية المنبنية على أشواق الدعوة الى الله…
وفي عام 1954م حدثت محاولة لاغتيال جمال عبدالناصر أسميت بحادثة المنشية القى أمن النظام تهمة تدبيرها على جماعة الاخوان المسلمين ليطال الاعتقال الشيخ سيد قطب لأول مرة…
وهنا كانت البداية!…
فقد حكم على الرجل ظلما وعدوانا ب15 عاما بادعاء أن كتاباته قد ساهمت في تمتين نسيج حركة الاخوان المسلمين وتأجيج أوار نار المعارضة للنظام ولم يشفع له أنه قد كتب يوماً:
(أن إقامة النظام الإسلامي تستدعي جهودًا طويلة في التربية والإعداد وأنها لا تجئ عن طريق إحداث انقلاب)!…
فاذا به يتعرض لأبشع أنواع التعذيب داخل السجن…
فما كان لانعزاله عن الدنيا وتعذيبه والظلم والعدوان الذي مورس عليه الاّ أن شكل في وجدان الرجل نظرة أخرى الى عوالم الناس والدنيا!…
فاذا بكل ذلك يتبدى ويبين في جل -ان لم يكن كل- مؤلفاته التي أتمها أو الَّفَها داخل أسوار السجن مثل (في ظلال القرآن) الذي أتم تأليفه ثم عمد الى تأليف كتب أخرى منها (معالم في الطريق) و(المستقبل لهذا الدين) ظهر فيها جلياً رأيه الجازم بأن المجتمع المسلم الحالي لهو مجتمع جاهلي وما ذلك الاّ لخروجه عن مبادئ الاسلام ومنهجه…
وتحدث سيد قطب عن الحاكمية واستخلاف الانسان فنُسِبَ اليه أنه رحمه الله قد أضاف قسما جديداً الى أقسام التوحيد أسماه (توحيد الحاكمية) الى جانب أقسام التوحيد التي سبقه بها العلماء وهي:
1-توحيد الالوهية
2-توحيد العبادة
3-توحيد الأسماء والصفات
فالشيخ سيد قطب مفهومه عن الحاكمية والاستخلاف هو الآتي:
أنه على مستوى التشريع والتنفيذ فان مهمة البشر تقتصر -فقط-على التطبيق الحرفي والتنفيذ التام لأحكام الله لأن الله هو المشرِّع ابتداء ولان اجتهد الناس في ماليس فيه نص صريح فهم لايبدعون أو يضيفون شيئاً لما جاءت به الشريعة وحتى الإشارة إلى الرسول في صدد الحكم والتشريع لاتنفي أن الحاكمية لله وحده دون البشر لأن الرسول إن هو إلا وحي يوحى وينطبق ذات الأمر على الفقهاء فهم مجرد مفسرين
من كتاب سيد قطب (نحو مجتمع اسلامي)…
وأعود الى أستاذي (محمد قطب) ومحاضرته المشهودة في نادي مكة الثقافي:
احتشد الناس في قاعة النادي الذي لم يكن يبعد كثيرا عن مقر الجامعة (القديم)* في منطقة (الحوض) الكائن في ضاحية العزيزية بمدينة مكة المكرمة…
احتشد الناس وجلهم من أساتذة وكوادر جامعة أم القرى ووجهاء مكة ومثقفيها والبقية من زملائي الطلبة فشرع الشيخ محمد قطب يتحدث عن الحاكمية والاستخلاف للانسان في الأرض وما ان فرغ من متن المحاضرة اذا به يقول:
اسمحوا لي بأن أدعو ابناً من الابناء هو طالب نجيب وبالرغم من أنه يدرس في كلية العلوم التطبيقية والهندسية الاّ أنه قد ناقشني مرارا في اللغة العربية والفقه والأدب وله رؤية تستحق أن تُبتدر بها أسئلتكم الكريمة…
فما كان من مجاوريّ من زملائي الطلبة الاّ ودفعوني دفعا للذهاب الى المنصة التي لم أكن ممن يهابها وما ذلك الاّ لاعتيادي على منابر الجمعية الأدبية منذ المرحلة المتوسطة ثم كامل المرحلة الثانوية في كريمة العليا بنين…
لكنني والحق أقول ما ان واجهت الحضور وتبينت العديد من وجوه أساتذتي الأجلاء وكذلك وجه مدير الجامعة الدكتور راشد الراجح وعميد القبول والتسجيل الدكتور شرف بن علي الشريف وسواهم من علية القوم الاّ وانتابني شعور ما بأن موقفي اليوم عصيب فما كان مني الاّ أن تذكرت نصيحة قيِّمَة من الوالد رحمه الله كان قالها لي يوما وهي:
(ياعادل ياولدي الزول لمن يلقا نفسو في مواجهة خطابية لجمهور من الناس فدي لحظة حتظل في أذهان الناس للأبد حيقيموك دايما بناء عليها…وهنا بكون قدامك حاجتين ماعندهم تالت…فيا امَّا تتمالك نفسك ورباطة جأشك وتستدعي كل مدخورك من البيان والحكمة والعلم وتتحسب خلال دا لكل كلمة تقولا وبي كدا حتنجح وتخلد نفسك في أذهانم…ويا امَّا كمان تقعد تطربق والناس طوالي ياخدو عليك انك ماقدر الموقف دا وتاني من صعب بل والمستحيل انك تصحح المفهوم دا في أذهان الناس عنك)!
فما كان مني الاّ أن ملأت صدري بشهيق طويل أتبعته بزفير هادئ ثم استعنت بالله في سري وقلت:
أشكر جزيلا أستاذي الكريم الشيخ الجليل محمد قطب على منحني لشرف المثول بين يديه ويديكم وحاله في ذلك كحال يوسف عليه السلام وهو يُجزِ الكيل لي برغم بضاعتي المزجاة…
فما كان من الحضور في القاعة الاّ أن ألهبوها بالتصفيق بين يدي ابتسامة أستاذي محمد قطب…
فواصلت حديثي وقلت:
ما سأقوله ليس قدحا في ايرادات أستاذي وشيخي محمد قطب انما هي وقفات توقفتها وتساؤلات بين يدي عدد من النصوص والشواهد أجملها في الآتي:
عندما نستصحب مفهوم الحاكمية والاستخلاف الذي أورده أستاذي الشيخ محمد قطب وهو بالطبع وصلٌ لما قاله -من قبل- الشيخ أبو الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب فاننا تلزمنا وقفة بين يدي آيات كريمات ثلاث قد كان الصدر منها -دوما- هو (ومن لم يحكم بما أنزل الله) لكن قد اختلف العجز بحيث كان على التوالي:
فاولئك هم الكافرون…
والظالمون…
والمنافقون…
والأمر الآخر هو الآتي:
نحن بالطبع كمسلمين فاننا مأمورون بتبليغ هذا الاسلام الى كل شعوب الدنيا وحضاراتها دونما تقيد بمكان أو زمان آت…والسابر لغور مفاهيم الاسلام يجدها أنها لم تكن جَابَّة ل(كل) الأعراف والمكاسب الحياتية والسلوكية للحضارات الانسانية والشعوب ولعلني أضرب مثالا بصور الزواج التي وجد نبينا صلوات الله وسلامه عليه العرب عليها فأقرَّ واستصحب احداها وكذلك الشواهد العديدة من السيرة النبوية الشريفة وسِيَرِ الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله تعالي عليهم التي يتبين خلالها استصحاب العديد من مكاسب العرف السليم لدى الناس من قبل الاسلام…وأضيف الى كل ذلك ان الله جل في علاه لم يلزمنا كبشر بمنهج سياسي بعينه كما بان ذلك خلال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين انما وضع لنا أُطُراً عامة وقواعد تحكم المسار وتعين على رسم المنهج السياسي المناسب للناس مكانا وزمانا…فكيف يمكننا التوفيق مابين المطروح منكم ياأستاذي الجليل وبين رؤاي هذه؟!
فما كان من الحضور الاّ أن أعادوا الهاب القاعة بالتصفيق والوجوه منهم تعلوها الابتسامات الى أن عدت الى مقعدي وجلست عليه…
ولكن…
برغم اشادة أستاذي محمد قطب بأسئلتي واضاءاتي هذه الاّ أن اجابته وتعقيبه لم يشفِيا غليلي لكونهما لم يبارحا ذات الذي اعتدت سماعه منه خلال المحاضرات الدراسية من قبل …ومن بعد…
فبقي في نفسي شئ من (حتى) الى أن قيض لي الله أن أقرأ كتابات راحلنا أبوالقاسم حاج حمد رحمه الله…
(يتبع)
ـــــــ
* هو الآن مقر لكلية البنات التابعة لجامعة أم القرى بعد أن بُني المقر الجديد للذكور في منطقة الحِل خارج المنطقة الحرام من مكة المكرمة
adilassoom@gmail.com
الحاكمية لدى الراحل محمدابوالقاسم حاج حمد عادل عسوم


