35.1 C
Khartoum
الخميس, أبريل 16, 2026

على حافة الهاوية: هل تنجح الوساطة الباكستانية في فك الاشتباك بين واشنطن وطهران؟ الدكتور رائد ناجي‎ ا

إقرأ ايضا

ا

في عالم تتقاطع فيه المصالح كما تتصادم، وتتشابك فيه الخيوط الدقيقة بين الدبلوماسية الصامتة وصخب التهديدات، تعود باكستان لتطرح نفسها لاعبا وسيطا في واحدة من اعقد ازمات العصر: التوتر المزمن بين واشنطن وطهران. ليست هذه الوساطة مجرد محاولة عابرة في دفتر العلاقات الدولية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة القوى المتوسطة على صناعة التوازن في عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد.
لقد درجت باكستان، منذ عقود، على انتهاج سياسة خارجية تقوم على مزيج من البراغماتية والحذر. فهي، من جهة، حليف تقليدي للولايات المتحدة، ارتبطت معها بشبكة مصالح امنية وعسكرية معقدة، ومن جهة اخرى، تحتفظ بعلاقات حساسة مع ايران، تحكمها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، فضلا عن الهواجس الامنية على الحدود المشتركة. هذا الموقع الفريد يمنح اسلام اباد فرصة نادرة للعب دور الجسر، لكنه في الوقت ذاته يضعها امام معادلة دقيقة، حيث اي اختلال في التوازن قد يكلفها كثيرا.
ان الوساطة بين واشنطن وطهران ليست مجرد مسألة نقل رسائل او ترتيب لقاءات سرية، بل هي عملية اعادة بناء ثقة مفقودة، تراكمت فوقها سنوات من الشكوك، والانسحابات المفاجئة، والعقوبات المتصاعدة. منذ انهيار الاتفاق النووي، دخلت العلاقة بين الطرفين في مرحلة من التصعيد المتدرج، حيث تحولت الدبلوماسية الى ادارة ازمة بدل ان تكون ادارة حل. ومن هنا، تبدو المبادرة الباكستانية وكأنها محاولة لفتح نافذة في جدار سميك من انعدام الثقة.
غير ان السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تملك باكستان الادوات اللازمة لنجاح هذه الوساطة؟ ام انها تتحرك في هامش ضيق ترسمه ارادة القوى الكبرى؟ ان قراءة متأنية للمشهد تكشف ان اسلام اباد تعتمد، في مسعاها، على ثلاث ركائز اساسية: اولا، قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين؛ ثانيا، سمعتها كدولة لم تنخرط بشكل مباشر في الصراع؛ وثالثا، حاجتها الذاتية الى استقرار اقليمي يقيها تداعيات الانفجار.
لكن هذه الركائز، على اهميتها، قد لا تكون كافية. فواشنطن، التي تنظر الى ايران من زاوية التهديد الاستراتيجي، لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية دون ضمانات صارمة. وطهران، التي خبرت تقلبات المواقف الامريكية، لم تعد تثق بسهولة في اي تعهدات لا تحيط بها شبكة معقدة من الضمانات الدولية. وفي هذا السياق، تبدو الوساطة الباكستانية وكأنها تسير على حبل مشدود، بين طرفين لا يلتقيان الا في حدود الضرورة.
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من قيمة هذه التحركات. ففي عالم السياسة، كثيرا ما تبدأ التحولات الكبرى بخطوات صغيرة، وبمبادرات تبدو في ظاهرها محدودة. ان مجرد فتح قنوات تواصل، او تخفيف حدة الخطاب، يمكن ان يمهد الطريق لمسارات اكثر جدية. وهنا، قد يكون الدور الحقيقي لباكستان ليس في تحقيق اختراق فوري، بل في تهيئة المناخ لعملية تفاوضية اطول واكثر تعقيدا.
ثمة بعد اخر لا يقل اهمية، يتعلق بالسياق الدولي والاقليمي. فالتوتر بين واشنطن وطهران لا ينفصل عن شبكة اوسع من الصراعات، تمتد من الخليج الى شرق المتوسط. كما ان صعود قوى دولية اخرى، وسعيها لاعادة تشكيل موازين القوى، يضفي على هذه الوساطة ابعادا اضافية. وفي هذا المشهد المتداخل، قد تجد باكستان نفسها مضطرة للتنسيق، بشكل او باخر، مع لاعبين اخرين، ما قد يعقد مهمتها او يمنحها زخما اضافيا.
ان نجاح الوساطة، في نهاية المطاف، لا يتوقف فقط على نوايا الوسطاء، بل على استعداد الاطراف المعنية لاعادة النظر في حساباتها. فاذا بقيت المقاربات اسيرة منطق الصفر، حيث لا مجال الا للربح الكامل او الخسارة الكاملة، فان اي جهد دبلوماسي سيظل محدود الاثر. اما اذا برزت قناعة بان كلفة التصعيد تفوق كلفة التنازل، فان ابواب الحل قد تفتح، ولو جزئيا.
من هنا، يمكن القول ان الوساطة الباكستانية تقف اليوم عند مفترق طرق. فهي، من جهة، تعكس رغبة حقيقية في تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، ومن جهة اخرى، تصطدم بواقع سياسي معقد، تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع اسلام اباد ان تتحول من مجرد ناقل رسائل الى صانع تفاهمات؟
ربما لا تحمل الايام القريبة جوابا حاسما. لكن المؤكد ان استمرار المحاولة، في حد ذاته، يحمل دلالة عميقة: ان الدبلوماسية، رغم كل ما يعتريها من تعثر، لا تزال تملك القدرة على البحث عن مخارج، حتى في احلك اللحظات. وفي عالم يقترب، اكثر فاكثر، من حافة الهاوية، قد تكون مثل هذه المحاولات هي الخيط الرفيع الذي يم

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة