في ظل حرب معقدة تتشابك فيها الأبعاد الإنسانية مع الحسابات السياسية والقانونية تبرز منظمات المجتمع المدني كفاعل رئيسي في كشف الحقائق والدفاع عن الضحايا وفي هذا السياق يفتح رئيس منظمة “مشاد” أحمد عبدالله إسماعيل نافذة على كواليس العمل الحقوقي والإنساني في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في المنطقة من تجربة شخصية بدأت بالنزوح واللجوء، إلى موقع متقدم في دوائر التأثير الأوروبي يتحدث إسماعيل عن أدوار منظمته في توثيق الانتهاكات وملاحقة مسارات العدالة والجدل المثار حول تقاريرها في حوار يكشف خفايا الملفات الأكثر حساسية في المشهد السوداني فإلى مضابط الحوار…
بداية نتعرف عليك؟
أنا أحمد عبدالله إسماعيل أحد أبناء السودان ومن ضحايا حرب عام 2003، حيث نشأت في بيئة النزوح واللجوء وقد أُتيحت لي فرصة الوصول إلى أوروبا في سن مبكرة الأمر الذي مكنني من الحصول على التعليم واكتساب المعرفة. أعمل حاليا كمستشار قانوني ودبلوماسي مع عدد من الجهات الحكومية وغير الحكومية في الاتحاد الأوروبي وأقيم فيه، كما أشغل منصب رئيس منظمة مشاد
*كيف تعرف منظمة “مشاد” من حيث النشأة والأهداف وما طبيعة الدور الذي تلعبه في ظل الحرب الدائرة في السودان؟*
يمكن تعريف منظمة “مشاد” بأنها منظمة إنسانية دولية غير ربحية نشأت استجابة للحاجة المتزايدة إلى العمل الإنساني والحقوقي في السودان، في ظل الأزمات المتفاقمة والنزاعات المسلحة. وتتبنى المنظمة رؤية قائمة على تعزيز الكرامة الإنسانية، وترسيخ مبادئ العدالة، ودعم مسارات التنمية المستدامة.
تسعى “مشاد” إلى تقديم استجابة إنسانية شاملة للفئات المتضررة، من خلال توفير الخدمات الصحية والتغذوية والدعم النفسي، إلى جانب تقديم المساندة القانونية للضحايا، والعمل على تعزيز ثقافة السلام وبناء قدرات المجتمعات المحلية على إدارة النزاعات بوسائل سلمية ومستدامة.
وفي سياق الحرب الدائرة في السودان، برزت المنظمة كإحدى الجهات الفاعلة في رصد وتوثيق الانتهاكات، حيث تعتمد على منهجيات مهنية دقيقة ومتعددة المصادر في جمع وتحليل الأدلة، مما يعزز من مصداقية تقاريرها ويسهم في إيصال الحقائق إلى الرأي العام الدولي والإقليمي.كما تضطلع بدور محوري في مناصرة حقوق الإنسان، والدفع نحو تحقيق العدالة، ومنع الإفلات من العقاب.
وعلاوة على ذلك، تنفذ “مشاد” تدخلات إنسانية عاجلة لدعم المتضررين من الحرب، وتعمل على حشد الدعم والتضامن الدولي، بما يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز فرص الوصول إلى سلام عادل ومستدام يلبي تطلعات الشعب السوداني
*ما هي أبرز المشاريع أو الملفات التي تعملون عليها حاليا وكيف تقيم تأثيرها على الأرض خاصة في جانب توثيق الانتهاكات؟*
تعمل منظمة “مشاد” حاليا على حزمة متكاملة من المشاريع والملفات التي تعكس طبيعة دورها الإنساني والحقوقي في ظل الأزمة السودانية، حيث تتركز جهودها في عدة مسارات رئيسية مترابطة.
في مقدمة هذه المسارات يأتي ملف المناصرة الإنسانية والقانونية، الذي يهدف إلى إيصال صوت الضحايا إلى المنصات الإقليمية والدولية، والدفع نحو تحريك آليات العدالة والمساءلة. ويوازي ذلك عملها المكثف في رصد وتوثيق الانتهاكات، من خلال شبكة واسعة ومنظمة من المتطوعين، تعتمد على منهجيات مهنية دقيقة في جمع الأدلة والتحقق منها، بما يضمن إنتاج تقارير موثوقة تسهم في كشف الحقائق وتعزيز جهود عدم الإفلات من العقاب.
كما تنفذ “مشاد” برامج للدعم الإنساني تشمل تقديم الخدمات الصحية والتغذوية والدعم النفسي للمتضررين من الحرب، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة، إلى جانب العمل على دعم وتمكين الشباب باعتبارهم ركيزة أساسية في بناء السلام والاستقرار، فضلاً عن مساندة المؤسسات الخدمية لتعزيز قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تضطلع المنظمة بدور فاعل في تنسيق الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام العادل، من خلال بناء شراكات وتقديم معلومات موثوقة تدعم صناع القرار والجهات المعنية.
وفيما يتعلق بتقييم الأثر على الأرض، فقد تمكن “مرصد مشاد” من بناء شبكة تضم أكثر من 1038 متطوعا داخل السودان، إلى جانب 244 متطوعًا في دول الجوار التي تستضيف اللاجئين السودانيين، يعملون بشكل يومي على توثيق الانتهاكات. وقد أسهم هذا الانتشار الواسع في توفير قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، جعلت من “مشاد” مرجعًا موثوقًا لدى العديد من الجهات الإقليمية والدولية في ما يتعلق بالمعلومات والاتصالات حول الأوضاع الإنسانية والحقوقية.
هذا التأثير يتجلى بوضوح في قدرة المنظمة على تسليط الضوء على الانتهاكات بشكل مستمر ومنهجي، ودعم جهود المناصرة الدولية، وربط العمل الميداني بالتحرك القانوني والإنساني، بما يعزز فرص تحقيق العدالة والإنصاف للضحايا، ويدعم المسار نحو سلام عادل ومستدام في السودان
*تواجه المنظمة اتهامات من بعض الأعضاء السابقين تتعلق بالمصداقية أو الأجندة كيف ترد على هذه الانتقادات؟ وهل هناك مراجعات داخلية تمت لمعالجة هذه القضايا؟*
تؤكد منظمة “مشاد” التزامها الراسخ بمبادئ المهنية والاستقلالية والشفافية في جميع أعمالها،وتنفي بشكل قاطع وجود أي اتهامات موثقة صادرة عن أعضاء رسميين داخل المنظمة تتعلق بالمصداقية أو تبني أجندات غير معلنة. كما تشدد على أن عضويتها تقوم على أسس من النزاهة العالية والقيم الإنسانية، وهو ما ينعكس في طبيعة عملها الميداني والحقوقي.
وفيما يتعلق بما يُثار من حملات انتقادية، ترى المنظمة أنها تندرج في إطار محاولات ممنهجة تستهدف تقويض دورها والتأثير على مصداقيتها، خاصة في ظل تنامي حضورها وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي. وتعتقد “مشاد” أن بعض هذه الحملات تقف خلفها جهات تسعى إلى إضعاف ثقة الجمهور وتشتيت الانتباه عن القضايا الجوهرية التي تعمل عليها المنظمة، لا سيما ما يتعلق بتوثيق الانتهاكات والدفع نحو المساءلة.
ورغم ذلك، تتعامل المنظمة مع هذه الانتقادات بمسؤولية مؤسسية، حيث تحرص على مراجعة أدائها بشكل دوري، وتعزيز آليات الحوكمة الداخلية والرقابة، بما يضمن الاستمرار في تطوير عملها ورفع كفاءته. كما تلتزم بالانفتاح على أي ملاحظات بنّاءة يمكن أن تسهم في تحسين أدائها وتعزيز مصداقيتها.
وتؤكد “مشاد” أن أولويتها في هذه المرحلة تظل مركّزة على الاستجابة لمعاناة الشعب السوداني، وتكثيف جهودها في توثيق الانتهاكات، ودعم الضحايا، والعمل من أجل تحقيق العدالة والسلام. وفي الوقت نفسه، تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أي ادعاءات مضللة أو حملات تشهير، وفقًا للقوانين والأطر القانونية ذات الصلة.
*في بيانات سابقة تحدثتم عن وجود مرتزقة أجانب مشاركين في الحرب ما طبيعة الأدلة التي استندتم إليها وكيف تم التحقق منها؟*
تشمل هذه المعطيات شهادات ميدانية موثوقة تم الحصول عليها من مصادر متعددة داخل مناطق النزاع، إضافة إلى مستندات ومعلومات تتعلق بأفراد يُشتبه في مشاركتهم، فضلاً عن بيانات مرتبطة بالجهات التي يُعتقد أنها سهلت تنقلهم ووصولهم إلى السودان.
وقد خضعت هذه المواد لعمليات تحقق ومطابقة عبر آليات داخلية تعتمد على تقاطع المعلومات من أكثر من مصدر، بهدف تعزيز درجة الدقة وتقليل هامش الخطأ، مع الالتزام بالمعايير المهنية المتبعة في التوثيق الحقوقي.
وتؤكد المنظمة أن هذه النتائج تُعامل في إطارها التوثيقي والتحقيقي، وأنها قابلة للتحديث أو التطوير كلما توفرت معلومات إضافية أو أدلة جديدة من شأنها تعزيز مستوى الفهم والتحليل للوقائع على الأرض.
تكملة الحوار العدد القادم


