36.1 C
Khartoum
الأربعاء, مايو 6, 2026

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي من بحر دار إلى الخرطوم… حرب الظل وابتزاز العودة

إقرأ ايضا

تدخل الحرب في بلادنا مرحلة جديدة بعد استهداف مطار الخرطوم الدولي الاثنين بطائرات مسيّرة، في تطور يقرأ ضمن سياق إقليمي أشد تعقيدًا ، بعد إعلان القوات المسلحة السودانية عن وثائق تشير إلى انطلاق العملية من مطار بحر دار داخل الأراضي الإثيوبية، بما يوسع دائرة الحرب من حدود الداخل السوداني إلى فضاء القرن الأفريقي وتوازناته.

في هذا المقال نحاول قراءة هذا المشهد، من زاوية تتجاوز الحدث الأمني، إلى تفكيك أبعاده الإقليمية وحسابات الفاعلين فيه، وما إذا كان ما يجري يعكس تصعيدًا مؤقتا أم تحولًا أكبر في طبيعة الصراع واتجاهاته.

تبدأ القراءة لهذا الحدث من توقيته، مع بدء المطار استعادة دوره تدريجيًا، عبر استقبال رحلات إقليمية، بينها عائدون من الكويت و القاهرة والرياض ،إلى جانب انتظام رحلات الناقل الوطني من بورتسودان، بما يعكس بداية التعافي ، ومحاولة الخروج من دائرة الانغلاق التي فرضتها الحرب.

وتزداد هذه القراءة وضوحًا مع ما أعلنه الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني أنهم يمتلكون أدلة فنية واستخبارية تشير إلى أن طائرات مسيّرة انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، من مطار بحر دار، ونفذت عمليات استهداف طالت مناطق داخل السودان، من بينها مطار الخرطوم. هذا التوضيح يتجاوز الحرب الداخلية إلى ما يشبه بداية حرب إقليمية.

ولم يقتصر هذا التوصيف على المؤسسة العسكرية وحدها، إذ أكد وزير الخارجية محي الدين سالم، أن السودان يواجه اعتداء يمس سيادته وأنه مستعد لكافة السيناريوهات في التعامل مع هذا التصعيد.

من الواضح أن هذا القول يتجاوز البعد الدبلوماسي الي البعد الأمني الذي بات مفتوحًا على كافة الاحتمالات. ويؤكد هذا الانسجام بين خطاب الخارجية والجيش وحدة توصيف الدولة السودانية للاعتداءات.

يعد هذا التطور انتقالًا للأزمة السودانية من البعد الداخلي، إلى صراع الأطماع الحقيقي الذي تتداخل فيه الجغرافيا الإقليمية مع مسرح العمليات، الذي توظف فيه ادوات الحرب في الضغط السياسي. ومن ثم لا يبدو استهداف مطار الخرطوم عملًا عسكريًا معزولًا، بقدر ما يعكس محاولة لإرباك مسار التعافي، وتعطيل عودة الدولة إلى محيطها، وإعادة فرض شروط هذه العودة وتوقيتها ضمن ما يمكن وصفه بـ “ابتزاز العودة” .

على المستوى المحلي، يكشف هذا التطور أن الدولة السودانية انتقلت من إدارة حرب داخلية ارتبطت، بحسب توصيفات دولية، بأطماع ودعم خارجي، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع محاولات الابتزاز السياسي لإعادة إنتاج واقع ما قبل 15 أبريل 2023. وفي المقابل، يتبلور داخل الوعي السوداني اتجاه متنامٍ يؤكد أن العودة إلى ذلك الماضي لم تعد ممكنة، وأن أي محاولة لفرضه عبر أدوات عسكرية أو سياسية أو إقليمية لن تجد استجابة، مهما تنوعت أشكال الضغط وتعددت مساراته.

أما إقليميًا، فإن العدوان الإثيوبي بحسب توصيف الخرطوم يعكس انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيدًا داخل القرن الأفريقي، ويضع “إيغاد” والاتحاد الأفريقي أمام اختبارٍ حقيقي لاحتواء التصعيد . وفي هذا السياق، يكتسب الموقف السعودي الداعي إلى منع استخدام أراضي الدول المجاورة في أي أعمال عدائية أهمية خاصة، إذ يعزز جوهر الطرح السوداني ويمنحه سندًا إقليميًا، إلى جانب الدعوة إلى التهدئة والالتزام بـ«إعلان جدة» وحماية المدنيين. ومع ترابط أمن السودان بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فإن استدعاء الخرطوم لسفيرها باديس أبابا يعد مؤشرًا على تصعيدٍ محسوب قد يفتح الباب أمام شكوي إقليمية ودولية محتملة .

في مؤشر مهم ، أصدرت الخارجية المصرية ، بيانًا أدانت فيه استهداف مطار الخرطوم بالطيران المسير ، مؤكدة رفضها المساس بسيادة السودان أو منشآته المدنية، ومحذرة من أن انطلاق هجمات من أراضي دول مجاورة قد يوسع دائرة الصراع إقليميًا. وتكتسب هذه الإدانة أهميتها لكونها أول موقف إقليمي رسمي عقب الاتهامات السودانية لإثيوبيا، وفي ضوء الخطوط الحمراء التي سبق أن أعلنتها القاهرة تجاه استقرار السودان.

ضمن هذا الإطار، صدر أمس بيان إثيوبي نافيًا الاتهامات السودانية، وتبادل الاتهامات المضادة، مع الدعوة إلى حل سياسي، في خطاب يعكس مقاربة تتجاوز مجرد النفي إلى محاولة فرض روية سياسية تعيد المليشيا وداعميها الي السلطة. غير أن هذا الطرح يصطدم بما ورد في بيان الجيش السوداني من اتهامات مباشرة بضلوع كل من إثيوبيا والإمارات في الهجمات. وبذلك تبدو الأزمة أقرب إلى شبكة تداخل إقليمي معقدة تتقاطع فيها المصالح والأدوار، بما يضع الملف أمام مسار القانون الدولي المتعلق باستهداف منشآت مدنية، وإعادة تعريف قواعد الاشتباك في الإقليم.

وإذا كان التصعيد العسكري قد كشف جانبًا من هذا التداخل الإقليمي، فإن الخلفية المائية للأزمة تظل عامل ضغط لا يقل أهمية، مع استمرار مستويات التخزين المرتفعة في سد النهضة عند نحو سبعة وأربعين مليار متر مكعب، بالتزامن مع اقتراب موسم الأمطار وتعقيدات التشغيل، بما يرفع احتمالات التصريفات غير المنتظمة وانعكاساتها المحتملة على السودان وأمن السكان علي النيل الأزرق، ربما أضاف ذلك بعدًا جديدًا إلى معادلة الضغط الإقليمي .

في ظل هذا التشابك بين الأمن والسيادة والموارد، تدخل الأزمة السودانية، وفق #وجه_الحقيقة، مرحلة ما يعرف «بالنزاع المركّب»، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي، والعسكري بالسياسي، بما يؤكد أن ما يجري بين بحر دار والخرطوم يتجاوز الهجمات ، ليقترب من إعادة صياغة موازين القوة في القرن الأفريقي. ومع تصاعد محاولات فرض وقائع جديدة عبر حرب الظل ، واتساع المواقف الإقليمية الرافضة لانفلات الصراع، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية تعيد رسم حدود النفوذ ومعادلات الردع في الإقليم.
دمتم بخير وعافية.
الإربعاء 6 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#السودان
#حرب_الظل
#من_بحر_دار_إلى_الخرطوم
#الأمن_القومي_السوداني
#القرن_الأفريقي
#سيادة_السودان
#الطائرات_المسيّرة
#الأزمة_السودانية
#التصعيد_الإقليمي
#إبراهيم_شقلاوي
#سد_النهضة

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة