شهدنا-كعائلة-مؤخرا واقعة
طبية مقلقة من حيث دلالاتها
الاخلاقية والمهنية، تتعلق باحد الاطباء العاملين في مستشفى الدامر، والذي يدير كذلك عيادته الخاصة. ورغم ما قد ينسب اليه من كفاءة سريرية وكونه إستشاريا في تخصصه ، فان الممارسة الطبية لا تقاس بالمهارة التقنية وحدها، بل بمنظومة قيم متكاملة، في مقدمتها احترام المريض وصون كرامته. وهذه الركائز، في هذه الحالة، تبدو متآكلة بصورة لافتة…
تتلخص الواقعة في اننا اصطحبنا مريضة لتلقي الاستشارة عند هذا الطبيب في عيادته الخاصة بمدينة الدامر، وبعد اكمال الكشف، اوصى الطبيب بتحويلها الى قسم الحوادث. غير ان المريضة- وبسبب تجربة سلبية سابقة لها معه في ذات المكان — ابدت رفضها الذهاب، وهو موقف يمكن فهمه في سياق خبرة نفسية سابقة للمريضة مع هذا الطبيب. الا ان رد الفعل الذي اعقب ذلك خرج عن حدود المقبول مهنيا؛ اذ قام الطبيب بتمزيق كرت العيادة، وطرد المريضة، واصدر توجيهات صريحة بعدم السماح لها بمقابلته مستقبلا.
هذا السلوك يعد اخلالا جوهريا بابجديات الممارسة الطبية. فالعلاقة العلاجية لا تدار بمنطق الاقصاء، ولا تبنى على ردود افعال عقابية. واين موقع ما يعرف في الادبيات الطبية الحديثة ب Humanistic patient-centred approach في مثل هذا التصرف؟ ان تغييب هذا النهج- القائم على التعاطف، والانصات، واشراك المريض في القرار -يفرغ الممارسة الطبية من بعدها الانساني، ويحولها الى اجراء تقني منزوع القيم.
ولا تقف الاشكالية عند هذه الواقعة؛ اذ تشير افادات متعددة الى نمط متكرر من الخطاب الطبي القاسي، يتضمن اطلاق احكام جازمة على مآلات المرضى، من قبيل وصف الحالات بانها “ميؤوس منها” او التقليل من جدوى علاجها. ومهما كانت الدوافع، فان نقل التوقعات السريرية بهذه الصورة القطعية والجارحة يخالف اصول التواصل الطبي الرشيد، الذي يوازن بين الصدق العلمي والدعم النفسي، ويحفظ كرامة المريض وذويه.
ان اصدار احكام نهائية بهذا القدر من القطعية لا يعكس فقط قصورا في الحس الانساني، بل يمثل تجاوزا لحدود الدور المهني؛ فالتقدير الاكلينيكي يظل تقديرا احتماليا محكوما بالمعطيات، لا يقينا مطلقا يلقى دون اعتبار لتبعاته النفسية.
واذا كانت القيم الطبية الحقة تظهر بوضوح في احلك الظروف، فان التاريخ يورد نماذج مضيئة تؤكد عالمية الواجب الطبي وتجرده من الخصومات؛ اذ يروى في الاثر ان صلاح الدين الايوبي، وفي خضم الحروب الصليبية، بادر بارسال طبيبه الخاص لمعالجة خصمه ريتشارد قلب الاسد، في تجسيد بليغ لمبدا ان الرعاية الصحية التزام انساني لا يخضع لاعتبارات العداء او المواقف الشخصية. فكيف يستقيم بعد ذلك ان يحرم مريض من حقه في الرعاية بسبب موقف او اختلاف؟ أليس هذا السلوك جريمة يعاقب عليها القانون؟!
وعلى مستوى بيئة العمل، فان المؤشرات لا تقل خطورة؛ اذ يعكس اسلوب تعامل هذا الطبيب مع الكوادر الطبية والفنية نمطا اداريا متوترا يتسم بالتدخل غير المهني، الامر الذي انعكس في استنزاف واضح للكوادر المؤهلة، حيث غادر عدد كبير من الاخصائيين ذوي الكفاءة العالية المستشفى نتيجة هذا المناخ، وهو ما يعد مؤشرا موضوعيا على تدهور بيئة العمل وانعكاساته المباشرة على جودة الرعاية الصحية.
ومن موقع اكاديمي ومهني، يبرز التناقض بصورة اشد وضوحا؛ اذ ان كاتب هذا المقال يحمل درجة الدكتوراه في اللغة الانجليزية، ويقوم بتدريس مناهج طبية (ESP Courses) في عدد من الجامعات السودانية، من بينها مناهج Oxford English for Careers: Medicine (1, 2) و Professional English in Use: Medicine الصادرة عن Cambridge University Press، اضافة الى تدريسه لمقررات مثل Cambridge English for Nursing و Oxford English for Careers: Nursing (1, 2). وهذه المناهج، في جوهرها، لا تقتصر على المصطلح الطبي، بل تؤسس لمعايير دقيقة في التواصل المهني الانساني، وادارة الحوار السريري، واحترام خصوصية المريض وكرامته. غير ان المؤسف ان ما تقرره هذه المراجع من مبادئ راسخة لا يجد انعكاسا كافيا في واقع الممارسة لدى شريحة معتبرة من الاطباء، الا من رحم ربي، وهو ما يعمق الفجوة بين ما يدرس نظريا وما يمارس فعليا على ارض الواقع.
ان حرمان مريض من تلقي الرعاية، او رفض التعامل معه على اساس موقف شخصي، يعد خرقا صريحا لمبداي العدالة وعدم التمييز، وهما من صميم اخلاقيات المهنة. وحتى عند تعذر الاستمرار في متابعة حالة ما، فان الواجب المهني يقتضي انهاء العلاقة العلاجية وفق اطر واضحة، تضمن استمرارية الرعاية عبر تحويل مناسب، دون اهانة او اقصاء.
ان ما يثير القلق هنا ليس واقعة منفردة، بل نمط ممارسة يستدعي مساءلة مهنية جادة، ويطرح تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلي بمواثيق اخلاقيات الطب وآليات الرقابة عليها. فالمريض ليس حالة مجردة، بل انسان له حقوق اصيلة، في مقدمتها الكرامة والاحترام.
وفي الختام، فان الطب-منذ ارث ابقراط وحتى المعايير الحديثة- أن احترام المريض ليس خيارا مهنيا، بل التزام لا يقبل التنازل….
تعليق:
هذا نموذج لسوء تقديرات طبيب ودون شك مررنا ومررتم بمثله هنا وهناك .. الكاتب لم يترك باب علاج لمثل هذا السلوك الا طرقه والشكاوى من مثل هذا السلوك متعددة ولكنها مكبوتة في صدور من لا يعرفون كيف يشتكون..
الطب مهنة انسانية فإن فقدت هذا فما هي إلا عمل وسوق للكسب وربما حقل للتجريب..
ننتظر متابعة من وزارة الصحة وبتقص خفي لأداء اطبائها وتكرار دورات ادب التعامل مع المريض وكذا المهمة ذاتها مطلوبة من نقابة الأطباء والمجلس الطبي . .
وكان الله في عون الجميع
موازنات الطيب المكابرابي الاربعاء 6 مايو 2026.. المريض ليس خصما: إدانة لممارسة طبية تفتقر للإنسانية.. بقلم د. أبشر الحاج


