42.7 C
Khartoum
الأحد, مايو 17, 2026

النكبة: حين لم تكن الهزيمة حدثا، بل بنية كاملة لإعادة تشكيل الشرق …الدكتور رائد ناجي‎

إقرأ ايضا

ليست النكبة حادثة تاريخية وقعت في عام 1948 ثم انتهت، وليست مجرد خسارة ارض او تهجير شعب، بل هي لحظة تأسيس كبرى لمشروع استعماري طويل، اعاد تعريف الجغرافيا، والانسان، والذاكرة، والمعنى السياسي في المنطقة كلها. ولذلك، فان القراءة السطحية للنكبة بوصفها “هزيمة عربية” تختزل المأساة، وتحجب ابعادها البنيوية العميقة. فالهزيمة العسكرية قد تقع ثم تنتهي، اما النكبة فقد تحولت الى نظام دائم؛ نظام ينتج اقتلاعا متواصلا، ووعيا مشوها، وحدودا جديدة للهوية والانتماء.

ان اخطر ما في النكبة انها لم تكن احتلالا لارض فحسب، بل احتلالا للرواية ايضا. فالاستعمار التقليدي كان يدخل بالقوة العسكرية ثم يعلن سيطرته، اما المشروع الصهيوني فقد دخل عبر هندسة السردية قبل هندسة الجغرافيا. لقد جرى تقديم فلسطين للعالم باعتبارها “ارضا بلا شعب”، لا لان الفلسطيني لم يكن موجودا، بل لان المطلوب كان محو وجوده رمزيا قبل محوه ماديا. فالاستعمار حين يعجز عن انكار الجسد، يبدأ بإنكار المعنى.

ومن هنا نفهم لماذا كانت المجازر جزءا من التأسيس، لا استثناء فيه. فالمجزرة ليست فعلا انتقاميا عابرا، بل اداة نفسية لاعادة تشكيل وعي الجماعة المهزومة. حين تهجر قرية كاملة بسبب خبر مذبحة في قرية مجاورة، فان الرعب يتحول الى سلاح استراتيجي. لقد ادركت الحركة الصهيونية مبكرا ان السيطرة على الارض لا تتم فقط بالدبابات، بل بتفكيك الشعور بالامان داخل الانسان الفلسطيني نفسه.

لكن النكبة، في بعدها الاكثر عمقا، لم تكشف فقط عن قوة المشروع الصهيوني، بل كشفت ايضا عن هشاشة البنية العربية في تلك المرحلة. فالدول العربية الخارجة توا من الاستعمار كانت تحمل اعلاما وطنية جديدة، لكنها لم تكن تمتلك بعد وعيا استراتيجيا موحدا. كانت الجيوش تتقدم بلا عقيدة سياسية جامعة، والانظمة تخوض الحرب وهي تخشى بعضها اكثر مما تخشى العدو. ولذلك، تحولت فلسطين الى ساحة تتقاطع فيها التناقضات العربية، لا الى مركز اجماع عربي حقيقي.

والاخطر من ذلك ان النكبة اسست لتحول نفسي خطير في العقل العربي؛ اذ انتقل العربي من موقع الفاعل التاريخي الى موقع المصدوم. لقد تشكل وعي كامل بعد 1948 قائم على الاحساس بالعجز، والبحث الدائم عن مبررات للهزيمة. ولهذا، لم تكن النكبة مجرد سقوط مدن، بل سقوط ثقة حضارية ايضا. فالامم لا تنهزم حين تخسر معركة فقط، بل حين تفقد ايمانها بقدرتها على صناعة المستقبل.

ومع ذلك، فان المشروع الصهيوني نفسه كان يدرك ان الخطر الحقيقي لا يكمن في الجيوش العربية، بل في بقاء الفلسطيني متمسكا بذاكرته. ولهذا، جرى استهداف الذاكرة بكل الوسائل: تغيير اسماء القرى، تدمير البيوت، تزوير الخرائط، صناعة مناهج تعليمية جديدة، بل وحتى سرقة المطبخ والتراث والازياء. فالاستعمار يفهم ان الذاكرة ليست ترفا ثقافيا، بل شكل من اشكال المقاومة. ولذلك، كلما تذكر الفلسطيني قريته، فانه يهدم جزءا من الرواية الصهيونية.

هنا تظهر المفارقة الكبرى: لقد نجح الاحتلال في السيطرة على معظم الجغرافيا، لكنه فشل في احتلال المعنى. فبعد اكثر من سبعة عقود، ما زال الفلسطيني يعرف نفسه من خلال قريته المهجرة، لا من خلال واقع اللجوء المفروض عليه. وما زالت مفاتيح البيوت القديمة تتحول من ادوات معدنية صغيرة الى رموز فلسفية لفكرة الحق والعودة. وهذه الظاهرة ليست رومانسية كما يحاول البعض تصويرها، بل تعبير عن ان الهوية الفلسطينية لم تعد مرتبطة بالمكان فقط، بل بالحق التاريخي والاخلاقي في هذا المكان.

ان القراءة التفكيكية للنكبة تكشف ايضا ان القضية الفلسطينية لم تكن يوما مجرد نزاع حدودي. فلو كانت كذلك لانتهت بتسوية سياسية منذ عقود. لكن جوهر الصراع اعمق من ذلك بكثير؛ انه صراع بين مشروع يريد اقتلاع شعب من التاريخ، وشعب يصر على البقاء داخل التاريخ مهما بلغت كلفة البقاء. ولذلك، فان كل محاولات اختزال القضية في بعدها الانساني فقط، او تحويلها الى ملف مساعدات واغاثة، هي جزء من عملية افراغها من بعدها التحرري والسيادي.

ثم جاءت التحولات الدولية لتزيد المشهد تعقيدا. فالنكبة لم تكن ممكنة لولا الغطاء الغربي الكامل. هنا ينبغي فهم المسألة بعيدا عن التبسيط العاطفي؛ فالغرب لم يدعم المشروع الصهيوني بدافع التعاطف الديني او الاخلاقي فقط، بل لانه رأى فيه اداة وظيفية متقدمة داخل الشرق العربي. لقد كانت “اسرائيل” بالنسبة للقوى الكبرى قاعدة متقدمة لضبط المنطقة، ومنع تشكل مشروع عربي مستقل وقادر على التحكم بثرواته وموقعه الجيوسياسي.

ولهذا، فان النكبة مستمرة، لان الشروط التي انتجتها ما زالت قائمة بأشكال مختلفة. فالاحتلال اليوم لا يعمل فقط عبر الجيش، بل عبر الاقتصاد، والاعلام، والتطبيع، واعادة تشكيل الوعي العربي نفسه. اذ لم يعد المطلوب فقط ان يقبل العربي بوجود الاحتلال، بل ان يعيد تعريفه بوصفه “امرا طبيعيا”. وهنا تصبح المعركة الاخطر: معركة المعنى.

لكن التاريخ يعلمنا حقيقة شديدة الاهمية: ان الشعوب قد تخسر لحظات، لكنها لا تخسر حقها ما دامت قادرة على حماية ذاكرتها. فالمشاريع الاستعمارية، مهما بلغت قوتها، تقوم في النهاية على فرضية النسيان. وحين يفشل النسيان، يبدأ التآكل البطيء للمشروع كله.

لهذا، فان النكبة ليست مجرد ذكرى للبكاء، بل لحظة وعي دائم. انها سؤال مفتوح حول معنى الوطن، ومعنى العدالة، ومعنى ان يبقى الانسان متمسكا بحقه حتى وهو محاصر بالقوة والتاريخ معا. وفي هذا المعنى تحديدا، تتحول فلسطين من قضية شعب فقط، الى مرآة اخلاقية للعالم كله؛ عالم يتحدث كثيرا عن الحرية، لكنه يصمت طويلا حين يصبح الضحية فلسطينيا.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة