في اي حروب لا تبدأ الهزائم الحقيقية من خطوط النار بل من الداخل حين تتآكل الثقة وتتصدع القيادة وتتحول القوة المسلحة إلى كيان ينهش نفسه بنفسه، وهذا تماما ما يحدث اليوم داخل مليشيا الدعم السريع التي تواجه أخطر مراحلها منذ اندلاع الحرب في السودان،فالانشقاقات التي أخذت تتسارع خلال الأشهر الأخيرةلم تعد مجرد حوادث فردية معزولة بل أصبحت ظاهرة تحمل دلالات سياسية وعسكرية عميقة تعكس حجم الأزمة التي تضرب بنية المليشيا وتكشف أن مشروعها دخل مرحلة التراجع الفعلي.
خروج قيادات ميدانية مؤثرة مثل النور قبة وعلي رزق الله السافنا إلى جانب استسلام مجموعات كاملة بكامل عتادها واخرين في الطريق قريبا ليس حدثا عابرا يمكن تجاوزه بسهولة لأن الأمر هنا يتعلق بقيادات تمتلك نفوذا ميدانيا وقبليا وكانت تمثل جزءا من العمود الفقري للانتشار العسكري للمليشيا في دارفور وكردفان.
هذه التحولات لا يمكن قراءتها بمعزل عن العمل الاستخباراتي الكبير الذي أُدير بصمت منذ بداية الحرب بقيادة الفريق صبير وأركان حربه فالمؤسسة الاستخباراتية ومايكشفه الوقائع على الأرض لم تكتفي بمتابعة تحركات المليشيا فقط بل نجحت في التغلغل داخل صفوفها وفهم تناقضاتها واستثمار حالة التململ المتزايدة وسط مقاتليها وقياداتها.
لقد بدأت المعركة خفية بجمع معلومات وبناء شبكات واختراق دوائر النفوذ ثم انتقلت إلى مرحلة أكثر تأثيرا تمثلت في تفكيك الولاءات وشق القيادات الميدانية وصولا إلى إعادة توجيه بعض تلك المجموعات نحو الصف الوطني، وما يحدث الآن من انشقاقات متلاحقة يبدو نتيجة مباشرة لذلك العمل الطويل والمعقد.
لكن ورغم أهمية هذه الانشقاقات في إضعاف المليشيا فإن هناك حالة تخوف مشروعة وسط المواطنين خاصة أولئك الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح واللجوء وفقدان الأمن والاستقرار،فالمواطن الذي شاهد القتل والنهب والتشريد لا يمكن أن يتعامل بسهولة مع عودة بعض القيادات التي كانت جزءا من هذه المأساة.
هذا القلق مفهوم وطبيعي لأن الناس لا يريدون تكرار التجربة مرة أخرى ولا يبحثون فقط عن نهاية الحرب بل عن ضمانات حقيقية تمنع إعادة إنتاج الفوضى تحت أي مسمى.
غير أن ما يبعث على الاطمئنان هو أن المؤسسات الأمنية والعسكرية في بلادنا تدرك حساسية هذه المرحلة وتتعامل معها بعين مفتوحة على كل التفاصيل ، فالدولة التي استطاعت اختراق المليشيا بهذا العمق تبدو أكثر قدرة على قراءة المشهد ومتابعة تحركاته ومنع أي اختراق مضاد أو محاولة لإعادة تدوير الأزمة.
وفي تقديري فإن الاختبار الحقيقي للمنشقين لا يكمن في إعلان الانسحاب وحده بل في ما بعد ذلك، المطلوب اليوم أن ينخرط هؤلاء بصورة واضحة في معركة تحرير دارفور وكردفان من قبضة المليشيا لأن استعادة الثقة لا تبنى بالتصريحات وإنما بالمواقف العملية والانحياز الكامل للدولة وللمواطن الذي دفع ثمن الحرب من دمه وأمنه ومستقبله.
الواضح الآن أن المليشيا تواجه أزمة وجود حقيقية أزمة قيادة وأزمة مشروع وأزمة تماسك داخلي ومع كل انشقاق جديد تتقلص قدرة المليشيا على الحفاظ على وحدتها وتزداد حالة الارتباك داخلها في وقت تتغير فيه موازين القوة على الأرض بصورة متسارعة.
ولعل أخطر ما تواجهه المليشيا اليوم ليس خسارة المواقع بل خسارة الثقة داخل صفوفها نفسها لأن التنظيمات المسلحة قد تصمد أمام الضربات العسكريةلكنها نادرا ما تنجو حين يبدأ الانهيار من الداخل.
لهذا فإن ما يجري الآن ليس مجرد انشقاقات عسكرية بل بداية تفكك مشروع كامل ظل يعتمد على القوة والسلاح والتمدد والدعم الخارجي الكبير ، فإن مشروع مملكة آل دقلو إلى زوال بإذن الله وقريبا.
ولنا عودة
١٧ مايو٢٠٢٦م


