41.1 C
Khartoum
الثلاثاء, مايو 19, 2026

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر الرحيل المر …. انطفاء قنديل العطاء وسيرة وفاء عابرة للمدن والقلوب

إقرأ ايضا

حين يترجل الكبار عن صهوة هذه الحياة، لا يغادرون فرادى، بل يأخذون معهم قطعاً من أرواحنا، ويتركون خلفهم نوافذ مشرعة على ذكريات لا تنطفئ. غيب الموت أخي الأكبر وسندي، (مصطفى غريبة)، الذي لبى نداء ربه راضياً مرضياً في مدينة سنار، بعد مسيرة حافلة بالبذل ونقاء السريرة، مخلفاً وراءه غصة في الحلق، وألماً يعتصر الفؤاد، لكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
تزدحم في مخيلتي الآن صور ومحطات قطار العمر الذي جمعنا، وتطوف بي الذاكرة في مدن وحواضر سودانية شهدت على نبله وعطائه. أستحضر ذكرياتنا الباكرة في مدينة الأبيض، عروس الرمال، بطبيعتها الآسرة وطيبة أهلها، حيث كنا نخطو خطواتنا الأولى في الحياة ونحن ننهل من نبع الأبوة والأخوة الصادقة. ثم تمتد الذاكرة لتنير في مدينة القضارف، أرض الخير والوفاء، تلك المدينة التي قضى فيها الراحل أياماً لا تُنسى في خدمة إنسانه والقيادة العسكرية، متسلحاً بروح إنسانية عالية، وهي ذات الفترة التي شهد عليها الخال العزيز عادل بيومي حين استذكر بتأثر بالغ رفقة الراحل هناك مع المرحوم اللواء كمال بيومي في قيادة المنطقة العسكرية، حيث كان الراحل مسؤولاً عن “شفخانة القيادة”، يداوي الجراح بابتسامته قبل الدواء، ويبذر المحبة أينما حل.
أما مدينة الدمازين، فتلك قصة أخرى من العطاء الطويل الممتد؛ إذ أمضى فيها أخي الراحل ردحاً من الزمن، خادماً وفياً وملاذاً إنسانياً في السلاح الطبي بالمستشفى العسكري. هناك، لم يكن مصطفى مجرد موظف أو كادر طبي يؤدي واجباً روتينياً، بل كان سفير الخيرة والإنسانية، يداوي الجنود والمدنيين على حد سواء، يمنح الأمل للمرضى، ويجسد المعنى الحقيقي لشرف المهنة العسكرية في طابعها الإنساني والخدمي.
لا يمكنني، وأنا أسطر هذه الكلمات بدمع العين والقلب، أن أنسى أو أتناسى الدور الرائد والتكافلي العظيم الذي طوق به الراحل عنقي. ففي سبعينات القرن الماضي، وفي مرحلة مفصلية من حياتي، تعهد أخي مصطفى بمصاريف دراستي العليا في جمهورية مصر العربية، مقتسماً لقمة عيشه ومتشاركاً هذا العبء النبيل مع شقيقي الراحل المقيم أحمد (طيب الله ثراه).
بفضل الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم بفضل تضحياتهم وإيثارهم، تمكنت من صعود سلم العلم والمعرفة، فكنت المهندس والصحفي، وتكاملت في أروقة تلك التجربة شخصيتي الاجتماعية والقيادية. إن كل حرف أكتبه اليوم، وكل نجاح حققته أو منصب اعتليته، يرتد في أصله إلى تلك اليد البيضاء التي امتدت لي في شبابي، لتصنع مني رجلاً قادراً على مواجهة الحياة. لقد كان أخي مصطفى بمثابة الأب البديل، والموجه الحكيم، والداعم الذي لا يبتغي شكراً ولا منّاً.
لقد تواردت إلينا الأخبار من مدينة الدمازين، لتضمد بعضاً من جراحنا؛ إذ خرجت حشود غزيرة وضخمة في موكب تشييع مهيب، تليق برجل قدم للناس أحسن ما عنده. شارك في مراسم الدفن زملائه الأوفياء في السلاح الطبي، إلى جانب لفيف من المعارف، والأصدقاء، وعشرة الجوار والزمن الجميل الذين بكوه بدموع صادقة. هذا الاستفتاء الشعبي العفوي على حبه هو عزاؤنا الأكبر، فشهادة الخلق في الأرض هي أمارة القبول في السماء بإذن الله.
ممتنون نحن أسرة الفقيد لكل من قدم لنا التعازي، سواء بحضوره الشخصي ومواساته المباشرة، أو عبر الاتصالات الهاتفية والرسائل من داخل الوطن وخارجه. إن وقفتكم هذه كان لها أبلغ الأثر في تخفيف هذا الفقد الجلل.
وسط ركام الحزن، تتقاطر تعازي الأهل والأحباب لتؤكد عمق الأثر الذي تركه الراحل في نفوس الجميع. ومن بين تلك الرسائل التي وصلتني وتلمست شغاف قلبي، الرسالة التي قال فيها كاتبها:
“بسم الله الرحمن الرحيم.. إنا لله وإنا إليه راجعون. نعزيكم ونعزي أنفسنا في وفاة المغفور له بإذن الله، المرحوم مصطفى حسن موسى غريبة. له الرحمة والمغفرة، وندعو الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يدخله الجنة مع الشهداء والصديقين والأبرار، وأن يتقبله بقبول حسن. إنا لله وإنا إليه راجعون”.
في ختام هذه السطور، لا نملك إلا التضرع إلى العلي القدير أن يتقبل أخي مصطفى بقبوله الحسن. اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل مساهماته في مداواة المرضى وسعيه في كفالة العلم ثقلاً في ميزان حسناته، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنزله منازل الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
نم قرير العين يا أخي ويا سندي، فقد أديت الأمانة، وغرست الخير، ولن ننساك ما حيينا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
Ghariba2013@gmail.com

19 مايو 2026

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة