تواجه المجتمعات اليوم تحديات معيشية متصاعدة تُلقي بأعبائها الثقيلة على الفئات الأكثر هشاشة، الأمر الذي يضع المؤسسات الرسمية والمجتمعية أمام مسؤولية وطنية مضاعفة لحماية المجتمع وصون كرامة الإنسان. ولم يعد الدعم الاجتماعي مجرد نشاط تكافلي محدود الأثر، بل أصبح ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار المجتمعي وحفظ التوازن الاجتماعي في مواجهة اتساع دائرة الاحتياج.
ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية البرامج التي تنفذها أمانة ديوان الزكاة ومفوضية الفقر على المستويين الاتحادي والولائي، باعتبارها أدوات فاعلة لإسناد الشرائح الضعيفة وتخفيف وطأة الظروف الاقتصادية عن الأسر محدودة الدخل. فالقيمة الحقيقية لأي مشروع اجتماعي لا تُقاس بحجم التمويل، وإنما بقدرته على الوصول إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة تحفظ كرامتهم وتلبي احتياجاتهم الأساسية بعيداً عن المحاباة أو الإقصاء.
وقد أسهم الإيصال المنظم والسريع للمساعدات في تعزيز الاستقرار الأسري والحد من آثار الفقر والعوز، وهو ما جعل الزكاة تؤدي دوراً محورياً في ترسيخ معاني التكافل الاجتماعي عبر برامج متعددة شملت الدعم النقدي والعيني، والإسناد العلاجي، ومساندة الطلاب، ورعاية الأرامل والأيتام. كما تبنت مفوضية الفقر مشروعات إنتاجية وخدمية تستهدف تحسين الواقع المعيشي للفئات الهشة، بما يساعد على نقل الأسر من دائرة الاحتياج إلى فضاء الإنتاج والاعتماد على الذات، في صورة تعكس روح التضامن المجتمعي وتعزز التماسك الاجتماعي.
غير أن مواجهة الفقر لا تنفصل عن توفير الخدمات الصحية، فالمرض كثيراً ما يتحول إلى عبء اقتصادي يضاعف معاناة الأسر محدودة الدخل. ومن هنا تتعاظم أهمية إدارة العلاج الموحد بالولاية، التي تؤدي دوراً مهماً في تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين عبر تسهيل الحصول على الخدمات العلاجية والفحوصات الطبية للفئات المستحقة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف الرعاية الصحية، حيث باتت أعداد متزايدة من الأسر عاجزة عن توفير نفقات العلاج بصورة منتظمة. لذلك فإن وجود آلية فاعلة لتنظيم الدعم الطبي وتوجيهه نحو الفئات الأكثر احتياجاً يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ العدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة بين احتياجات المواطنين وإمكاناتهم المحدودة.
وفي هذا السياق، تستحق الشراكة بين الزكاة والتأمين الصحي الإشادة لما حققته من إسناد حقيقي للشرائح الضعيفة عبر توسيع مظلة الخدمات الصحية وتخفيف تكلفة العلاج عن محدودي الدخل. فقد أسهم هذا التعاون في تمكين أعداد كبيرة من المرضى من الحصول على الرعاية الطبية بصورة أكثر سهولة، بما يعكس أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات الاجتماعية والصحية لتحقيق أهداف التنمية والحماية المجتمعية.
كما تتجلى أهمية هذه الشراكات في تعزيز مفهوم العدالة الصحية عبر تقريب الخدمة الطبية للفئات المحتاجة والتخفيف من معاناة الأسر التي تواجه تحديات اقتصادية متزايدة. فعندما تتكامل جهود الزكاة والتأمين الصحي والعلاج الموحد، يتحول العمل الإنساني إلى قوة حقيقية تحفظ كرامة المواطن وتمنحه شعوراً بالأمان وسط تعقيدات الحياة اليومية.
وفي الإطار نفسه، تبرز إسهامات صندوق العاملين بديوان الزكاة بولاية الجزيرة في دعم قدرات النظام الصحي بالولاية، من خلال توفير الأجهزة التشخيصية النوعية التي يُتوقع أن تسهم في توطين الخدمة العلاجية وتقليل معاناة المرضى الذين كانوا يضطرون إلى السفر خارج الولاية أو الانتظار طويلاً للحصول على الخدمة. ويأتي مركز التعاضد الطبي بوصفه إحدى المبادرات المهمة التي تعزز قدرة النظام الصحي، وتفتح نافذة أمل نحو خدمات طبية أكثر قرباً وكفاءة وإنسانية.


