وبرغم التوقع .. . عبد المعز حسين المكابرابي …الرأي العام السوداني بين أزمة الإستقطاب .. وخطورة التجاذبات ..!؟
إن تشكيل الرأي العام يرسم ملامح البيئة الوطنية ويعكس حالة الوعي لدي الجماهير وفق القضايا الملحة والتعقيدات المصاحبة للساحة السياسية والثقافية الإجتماعية ويتصدر خارطة بناء مخيلة المتلقي ويشكل إنطلاعاته وميوله النفسية ولكنه يمكن أن يكون ألة للتخريب ويهدد سلامة المجتمعات إذما تم تغذيته السالبة فإن ظاهرة كتابة ونشر المقالات التي تتناول الواقع السوداني بالتحليل، مع تسمية أحزاب سياسية، حركات مسلحة، أو طوائف دينية وقبلية بأسمائها الصريحة، تعتبر من أكثر الظواهر المؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه الأحداث في السودان حالياً.هذه الظاهرة سلاح ذو حدين؛ فبينما يراها البعض أداة ضرورية للشفافية، يراها آخرون وقوداً لتعميق الأزمات . إليك تحليل مفصل لأثر هذه الظاهرة على مختلف الأصعدة: فالأثر السياسي: كشف المستور مقابل الاستقطاب الحاد
رفع الوعي وكشف الكواليس: تساهم بعض المقالات الرصينة في تنوير المواطن بالتحالفات السياسية، ومواقف الأحزاب من القضايا المصيرية (مثل السلام، التحول الديمقراطي، أو الحرب)، مما ينزع القدسية عن الكيانات السياسية ويضعها تحت مجهر النقد الشعبي.تخندق المواقف والشيطنة المتبادلة: في المقابل، يؤدي ذكر المكونات بأسمائها في سياقات اتهامية إلى زيادة الاستقطاب السياسي. يتحول النقاش من نقد “الأداء” إلى “تصفية حسابات”، حيث يسعى كل طرف لشيطنة الطرف الآخر بالكامل، مما يصعّب فرص التسوية التاريخية أو بناء مشتركات وطنية.
وكذلك الأثر الاجتماعي والقبلي: اللعب على وتر الهويات الحساسة
فمكمن الخطر الأكبر:بتبدي في بيئة معقدة كالسودان، يمتزج السياسي بالقبلي والطائفي بشكل وثيق.
إيقاظ الفتن المجتمعية: عندما تنتقل المقالات من نقد المواقف السياسية إلى ربط كيان سياسي بطائفة دينية محددة أو جغرافيا قبلية معينة، فإنها تحول الصراع السياسي (وهو مرن وقابل للتفاوض) إلى صراع هويات وجودي (وهو صفري ومدمر).وتآكل النسيج الاجتماعي : كتابة مقالات تتهم قبائل أو طوائف بعينها بدعم طرف ضد آخر في الأزمات الحالية تؤدي مباشرة إلى خطابات الكراهية، وتجعل المواطن البسيط مستهدفاً بناءً على هويته أو انتمائه، لا على فعله الشخصي.
و الأثر على مستوى الوعي العام وصناعة القرار توجيه غضب الشارع: تمتلك هذه المقالات قدرة عالية على تحريك الشارع وتشكيل “رأي عام رقمي”. هذا الضغط قد يجبر بعض الأحزاب أو الجماعات على مراجعة مواقفها أو الاعتذار عن أخطائها خشية العزلة الاجتماعية.تسطيح الأزمات المعقدة: تلجأ الكثير من المقالات (خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي) إلى الاختزال؛ فتحصر أزمة السودان العميقة والممتدة في “شخص، حزب، أو طائفة” كبش فداء، مما يغيب التفكير الاستراتيجي في جذور المشكلة (مثل قضايا التنمية، التهميش، وإدارة الموارد).
إن التوازن بين حرية التعبير وضبط خطاب الكراهية يمثل التحدي الإعلامي والأخلاقي الأبرز في المشهد السوداني الحالي، خاصة عندما تتناول المقالات الأحزاب والطوائف بأسمائها الصريحة. ويمكن تفصيل هذا الأثر في جانبين متضادين:
الجانب الإيجابي والمأمول (ممارسة حرية التعبير وتوثيق الواقع):تساهم هذه المقالات في كسر الخطوط الحمراء ومواجهة مراكز النفوذ السياسي والديني دون خوف، مما يتيح مساحة حقيقية للمكاشفة والمحاسبة الشعبية. كما أنها تلعب دوراً هاماً في توثيق أحداث المرحلة التاريخية الحالية، وتسجيل مواقف كل كيان أو حزب بدقة لتقدم للأجيال القادمة مادة واضحة لمعرفة من وقف مع مصلحة الوطن ومن تراجع عنها.
الجانب السلبي والخطير (الانزلاق نحو التحيز وخطاب الكراهية):في المقابل، يتحول الكثير من الكتاب والصحفيين – بقصد أو بدون قصد – إلى منصات للدعاية السياسية الموجهة، حيث يمارسون التحيز الأعمى ونشر المعلومات المغلوطة لخدمة أطراف بعينها.والأخطر من ذلك هو استخدام هذه الصراحة لتأجيج الفتن واستهداف جماعات محددة، مما يحول المقال من أداة تنويرية إلى وسيلة للابتزاز السياسي وتصفية الحسابات، الأمر الذي يغذي خطاب الكراهية ويهدد السلم المجتمعي.


