في خطوة تعكس عمق التعاون الدولي في مجال الحد من مخاطر الكوارث، حلّ سعادة السفير الإيطالي لدى السودان ميشيل توماسي، يرافقه مدير الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي، قام بزيارة مركز الإنذار المبكر والمخاطر المتعددة بولاية البحر الأحمر تحت إشراف السيد الفريق شرطة/ حقوقي الدكتور عثمان عطا مصطفى، مدير عام قوات الدفاع المدني، وتم عقد اجتماع بمبنى الإنذار المبكر بولاية البحر الأحمر بحضور السيد العميد شرطة/ دكتور هشام عوض عبد الرحيم مدير قوات الدفاع المدني بهيئة الموانئ البحرية، والسيد العقيد شرطة/ مهندس العباس آدم الناجي مدير الإنذار المبكر والذي استعرض فيه مستوى الخدمات التي يقدمها، في مشهد يؤكد التزام قوات الدفاع المدني بتطوير أدواتها وفتح آفاق التعاون مع الشركاء الدوليين في هذا المجال الحيوي.
تعود جذور هذا المشروع إلى العام 2021، عندما وضعت مؤسسة CIMA الإيطالية للأبحاث، بتمويل من الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي، حجر الأساس لأول نظام وطني للإنذار المبكر في السودان من خلال مشروع “APIS” الطموح، الذي لم يقتصر على توفير المعدات التقنية فحسب، بل عمل على تعزيز المهارات العلمية للخبراء المحليين، وتحسين أدوات الرصد والتنبؤ، وترسيخ التنسيق بين المؤسسات في مجال إدارة الطوارئ. وقد مثّل إنشاء هذا المركز، الذي تم تجهيزه بأحدث أنظمة الرصد وأجهزة القياس المائي، تتويجاً لتلك الجهود، ليصبح نواة لمنظومة وطنية متكاملة للإنذار المبكر تعمل تحت إشراف رئيس المجلس القومي للدفاع المدني، منذ بدء إنشائه إلى تشغيله والوصول به إلى هذه المرحلة المتقدمة، وقف هذا الصرح في ولاية البحر الأحمر شامخاً.
وخلال الزيارة التفقدية التي قادها المسؤولون، استمع الوفد الإيطالي إلى شرحٍ وافٍ حول آليات العمل الدقيقة، وتفقد مختلف الأقسام والأنظمة الفنية المستخدمة في عمليات الرصد والتحليل وإصدار الإنذارات، مشيداً بكفاءة الكوادر الوطنية وجهودها المبذولة لضمان استمرارية العمل وتعزيز جاهزية المنظومة. وفي سياق متصل، كانت القيادة قد أعربت خلال لقائها بالوفد عن بالغ تقديره للدور والدعم والسند الكبير الذي قدمته حكومة إيطاليا ممثلة في وكالتها الإنمائية، والتي لم تدخر جهداً في إنشاء مركز العمليات المتطور هذا وتزويده بالمعينات والمعدات الحديثة، معتبراً أن هذا الدعم أسهم بشكل مباشر في رفع قدرات قوات الدفاع المدني للتعامل مع الأزمات والطوارئ بكفاءة عالية، وقلب موازين الاستجابة لصالح التدخل المبكر والحازم.
لم تقتصر الزيارة على جولة التفقد والاطلاع على الأداء، بل كشفت عن آفاق أوسع للتعاون المستقبلي، حيث أعلن مدير الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي عن نية الوكالة التوسع في هذا المجال الحيوي، بالنظر بإيجابية إلى إنشاء مركز ثانٍ للإنذار المبكر متعدد المخاطر بالعاصمة الخرطوم. إلى جانب ذلك، تُخطط الوكالة لإنشاء عدد من “نوافذ” الإنذار المبكر في عدد من الولايات، في خطوة من شأنها توسيع نطاق الخدمات وتعزيز جاهزية المؤسسات الوطنية لمواجهة مختلف المخاطر والكوارث. وتأتي هذه الخطط المتطورة ثمرة للثقة التي أولتها الحكومة الإيطالية لقوات الدفاع المدني، وتقديراً للجهود الاستثنائية التي تبذلها القيادة وفريقها في تطوير منظومة الحماية المدنية وربطها بأحدث المعايير العالمية، والتي تجسدت في التنظيم الدقيق للزيارة وإبراز قدرات المركز على أكمل وجه.
وفي تحليل أعمق لهذه الديناميكية المؤسسية، يتجاوز الدعم الإيطالي كونه مجرد منحة تقنية أو تبرع بالمعدات، ليصبح نموذجاً رائداً للتعاون العلمي والمؤسسي في مجال الحماية المدنية، حيث أن إشراف مؤسسة CIMA الخبيرة في مجال الحد من المخاطر المتعددة يضمن استمرارية المعايير التقنية العالية، ويعزز دور المركز كعضو فاعل في شبكة “الإنذار المبكر والعمل متعدد المخاطر الأفريقية”، مما يربط السودان بمنظومة إنذار قارية. إن ما تحقق على أرض الواقع، تحت حكمة ومجهودات القيادة، يمثل نقلة نوعية في البنية التحتية الوطنية، ويؤكد قدرة المؤسسات الوطنية على استيعاب التقنيات الحديثة وتوظيفها لخدمة القضايا الإنسانية الملحة، وتحويل التحديات البيئية إلى فرص للبناء والتخطيط العلمي السليم.
في الختام، ومع التوسع المخطط له ليشمل عواصم وولايات إضافية، يتحول هذا المركز من مجرد منشأة تقنية إلى ركيزة أساسية في استراتيجية السودان الوطنية لمواجهة الكوارث، وهو إنجاز بارز يُضاف إلى سجل الحماية المدنية، ويجسد مبدأ أن الوقاية خير من قنطار علاج، خاصة في بلد يواجه تحديات مناخية وإنسانية متشابكة كما هو الحال في السودان.


