41.5 C
Khartoum
الثلاثاء, يوليو 7, 2026

كتاب “الاستثمار الزراعي الصناعي” يكشف كنزاً يفوق النفط ويرسم مستقبل السودان الغذائي قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

كتاب “الاستثمار الزراعي الصناعي” يكشف كنزاً يفوق النفط ويرسم مستقبل السودان الغذائي

قلم وطني
بقلم: خالد المصطفى
إعلام لواء الردع

في زمن تهتز فيه أسواق الطاقة على إيقاع التوترات الجيوسياسية، ويقفز برميل النفط إلى مستويات قياسية ترهق ميزانيات الدول المستوردة، يطل كتاب “الاستثمار الزراعي الصناعي في السودان” ليكشف حقيقة صادمة: أن أرض هذا البلد تختزن ثروة يومية تفوق عائدات أكبر مصدري النفط، لكنها تظل حبيسة التقارير والأرقام، بعيدة عن واقع الإنتاج والتصنيع. هذا الكتاب، الذي يصدر في توقيت بالغ الأهمية، لا يكتفي بعرض الإمكانات الهائلة، بل يقدم خريطة طريق عملية لتحويل السودان من مستورد للغذاء إلى دولة رائدة في التصنيع الزراعي، معتمداً على منهجية تحليلية تجمع بين الاقتصاد الزراعي والصناعات التحويلية، مستنداً إلى معطيات رقمية دقيقة وتجارب دولية ناجحة.

ينطلق المؤلف من مفارقة جوهرية: فبينما تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان 220 مليون فدان، وهو ما يقارب ضعف مساحة فرنسا، لا يُزرع منها حالياً سوى أقل من الربع، في مشهد يعكس فجوة هائلة بين الإمكانات والواقع. ويقدم الكتاب مقارنة مثيرة للدهشة: فزراعة البرسيم على هذه المساحة يمكن أن تدر دخلاً يومياً يصل إلى 990 مليون دولار، متجاوزاً العائد النفطي اليومي للسعودية الذي تجاوز 700 مليون دولار، مع فارق جوهري أن هذا الدخل لا يعتمد على أنابيب مهددة أو أسعار متقلبة، بل على دورة حياة نباتية تتجدد كل ثلاثين يوماً، محصنة بصلابة الجغرافيا لا بتقلبات السياسة. ولا يقف الكتاب عند هذا الحد، بل يمتد لاستعراض ثروة حيوانية تقدر بنحو 120 مليون رأس من الماشية، تجعل السودان واحداً من أغنى دول المنطقة في هذا القطاع، إلى جانب محاصيل استراتيجية كالصمغ العربي والقطن والقمح والتمور والنباتات الطبية والعطرية، التي تظل تصدر كمواد خام بينما تُهدر قيمتها المضافة في أسواق الخارج.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في تشخيصه الدقيق لأسباب تعطل هذه الثروة، والتي لا تعود إلى نقص الموارد، بل إلى غياب الرؤية الاستراتيجية للاستثمار الزراعي الصناعي، وضعف السلاسل الإنتاجية، وسوء التخزين، وغياب التصنيع الذي يضاعف القيمة المضافة، فضلاً عن تعقيد الإجراءات وضعف جذب الاستثمارات الخارجية. ويفرد الكتاب فصلاً متخصصاً لاستراتيجيات جذب الاستثمار الخارجي، مقترحاً إنشاء هيئة عليا للاستثمار الزراعي الصناعي تحت مظلة مستقلة، لتلافي العقبات البيروقراطية والوسطاء الذين يستنزفون الفرص، مع تقديم حوافز حقيقية للمستثمرين، وتسهيل القروض الزراعية، وبناء بنية تحتية تخزينية حديثة، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر البشرية. ويستند في ذلك إلى تجارب دول حققت طفرة زراعية، مثل هولندا التي تنتج من مساحة ضئيلة ما يفوق اقتصاد النفط في بعض الدول الخليجية التي حولت الصحراء إلى جنات خضراء، مشيراً إلى أن السودان يمتلك من المقومات ما يفوق هذه الدول مجتمعة.

ويقدم الكتاب تحليلاً متعمقاً غير متوقع لدور التصنيع الغذائي في مضاعفة القيمة المضافة، موضحاً أن تحويل الصمغ العربي من مادة خام إلى منتجات دوائية وغذائية يمكن أن يرفع عائده من 300 مليون دولار إلى أكثر من 3 مليارات دولار، وأن تصنيع التمور وتحويلها إلى دبس وعجائن ومكملات غذائية قد يضاعف دخلها عشرات المرات. كما يناقش بأسلوب موضوعي التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، من محدودية الإنتاجية إلى البنية التحتية الهشة، مع تقديم حلول واقعية قابلة للتطبيق، مستنداً إلى تقارير دولية موثوقة، منها تقارير الأمم المتحدة التي أشارت إلى تحسن مناخ الاستثمار في السودان مع بقاء عقبات هيكلية، مما يعزز مصداقية الطرح ويجعله مرجعاً عملياً للمستثمرين وصناع القرار.

في الختام، يقدم هذا الكتاب أكثر من مجرد رؤية نظرية؛ إنه دعوة عملية إلى كل من يهمه أمر هذا البلد، ليدرك أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض، بل في سطحها الذي يزهر بالحياة، وفي عقول أبنائه القادرين على تحويل هذه الثروة إلى قوة اقتصادية فاعلة. إنه عمل يستحق القراءة والدراسة، لأنه يضع السودان على مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في استيراد الغذاء ببلايين الدولارات، أو اغتنام الفرصة التاريخية لتحويل أراضيه إلى مصدر للأمن الغذائي العالمي، مؤكداً أن الطريق إلى النهضة يبدأ من استغلال الثروات الطبيعية بوعي وإدارة رشيدة، وأن البرسيم يمكن أن يغني عن النفط، والسودان الذي يملك 220 مليون فدان و120 مليون رأس ماشية هو بلا شك عملاق نائم، ينتظر فقط من يوقظه.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة