لا تبدأ معركة استعادة الدول من ساحات القتال وحدها، وإنما تبدأ عندما تستعيد مؤسساتها هيبتها، ويعلو سلطان القانون على كل سلطان، وتصبح النزاهة قيمة تحكم الإدارة العامة لا شعارا يرفع في المناسبات. لذلك جاء قرار دولة رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس بتفعيل هيئة النزاهة والشفافية وتعيين الفريق شرطة عابدين الطاهر رئيسا لها، باعتباره خطوة تستحق التوقف عندها، لأنها تتجاوز حدود التعيين إلى ما هو أعمق وأبعد أثرا.
فالهيئة تعد الجهة الرقابية المركزية المعنية باجتثاث الفساد في السودان، وهو اختصاص يجعلها في قلب مشروع استعادة الدولة، لأن الفساد لم يكن في يوم من الأيام مجرد مخالفة إدارية أو مالية، بل ظل أحد أهم أسباب إضعاف مؤسسات الدولة، واستنزاف مواردها، وإهدار ثقة المواطنين في عدالة مؤسساتها وكفاءتها.
عندما كتبنا منذ اليوم الأول أن السودان أصبح يمتلك درعا وسيفا بإعلان تكوين هيئة النزاهة والشفافية، لم يكن ذلك مدحا لأشخاص ولا احتفاء بمناصب، وإنما كان إيمانا بأن الدولة التي تمتلك مؤسسة رقابية مستقلة وقوية، تمتلك واحدة من أهم أدوات حماية نفسها. فالمؤسسات هي التي تبقى، أما الأشخاص فيغادرون مواقعهم، وتظل الدول تقاس بصلابة مؤسساتها لا بأسماء من يتولون إدارتها.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في مكافحة الفساد لم تعتمد على الخطابات وحدها، وإنما وفرت الإرادة السياسية،ة وأحكمت البناء القانوني، ومنحت مؤسسات الرقابة ما يكفي من الاستقلال والصلاحيات والإمكانات لتؤدي رسالتها دون خوف أو تدخل. ولهذا فإن نجاح هيئة النزاهة والشفافية لن يكون نجاحا لمؤسسة بعينها، بل سيكون نجاحا للدولة السودانية، ورسالة بأن الإصلاح أصبح خيارا عمليا لا مجرد وعد سياسي.
ولا شك أن حكومة الأمل تواجه تحديات استثنائية، وأن حجم الملفات المطروحة أمامها كبير ومعقد، لكن التاريخ يعلمنا أن الحكومات التي تؤسس لمؤسسات قوية تترك أثرا أبقى من الحكومات التي تنشغل بإدارة الأزمات اليومية فقط. فالمؤسسة القوية قادرة على حماية منجزات الدولة، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت الظروف.
ومن هنا، فإن الدعم الكامل لهيئة النزاهة والشفافية ينبغي أن ينظر إليه باعتباره استثمارا في مستقبل السودان، لا دعما لجهة رقابية فحسب. فالهيئة تحتاج إلى تشريعات داعمة، وإمكانات كافية، واستقلال حقيقي، حتى تتمكن من أداء رسالتها في ترسيخ النزاهة وحماية المال العام وتعزيز ثقة المواطن في دولته.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساته على أسس حديثة، ويظل نجاح هذه التجربة مرهونا بقدرة الدولة على تحويل الإرادة السياسية إلى واقع مؤسسي دائم. وإذا كانت معركة استعادة الدولة قد بدأت بالفعل، فإن هيئة النزاهة والشفافية تمثل إحدى أهم جبهاتها، لأنها تحارب عدوا خفيا طالما أعاق التنمية وأضعف الثقة وأرهق الوطن.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذه المرحلة هو أن بناء الدولة لا يكتمل إلا ببناء مؤسساتها، وأن دعم هيئة النزاهة والشفافية اليوم ليس دعما لمؤسسة، وإنما هو دعم لفكرة الدولة نفسها، وللسودان الذي يستحق أن يكون وطنا تحكمه النزاهة، وتصونه العدالة، وتحميه مؤسسات قوية لا تتأثر بتغير الأشخاص ولا بتقلبات السياسة.


