40 C
Khartoum
الخميس, يوليو 9, 2026

من استعادة الأرض إلى استعادة الدولة تحرير الكرمك… النصر يسبق امتحان الدولة كتبت: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

نشارك اليوم أهلنا بولاية النيل الأزرق و مدينة الكرمك، الذين صبروا على قسوة الحرب، فرحة التحرير. وإلى القوات المسلحة وكل من شارك في معركة استعادة المدينة، نتقدم بالتهنئة بهذا الإنجاز الذي أعاد جزءًا عزيزًا من تراب الوطن إلى حضن الدولة. إنها لحظة تستحق الفخر، وتحية للتضحيات التي صنعت هذا النصر، مع الدعاء بالرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، وأن يكون ما تحقق بداية لمرحلة يسودها الأمن والاستقرار.

إن إعلان تحرير الكرمك بولاية النيل الأزرق يمثل محطة وطنية تحمل أبعادًا سياسية وإنسانية تتجاوز ميدان القتال. فالكرمك ليست مجرد مدينة حدودية، وإنما تمثل موقعًا استراتيجيًا ظل حاضرًا في معادلات الأمن والسيادة، وظلت السيطرة عليها ذات دلالات تتجاوز حدودها الجغرافية.

لقد أثبتت القوات المسلحة قدرتها على استعادة المدينة، وهو إنجاز يستحق التقدير، ويؤكد أن حماية الأرض واستعادة السيادة هدف مشروع لكل دولة. غير أن التجارب تؤكد أيضًا أن النصر العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل إلا عندما ينعكس على حياة المواطنين أمنًا واستقرارًا وخدمات.

فالمدن الخارجة من الحرب لا تنتظر البيانات العسكرية وحدها، وإنما تنتظر عودة المياه والكهرباء، وفتح المستشفيات والمدارس، واستئناف حركة الأسواق، وإعادة دوران عجلة الإنتاج. وهي تحتاج إلى مؤسسات فاعلة تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتؤكد أن استعادة الأرض تقترن باستعادة الحياة.

وفي تقديري، فإن الكرمك تدخل اليوم مرحلة سيكون فيها أداء مؤسسات الدولة هو الاختبار الحقيقي لهذا الإنجاز. فإذا عادت الخدمات الأساسية سريعًا، وتأهلت البنية التحتية، وعاد النازحون إلى ديارهم، واستؤنفت حركة الإنتاج، فإن النصر سيأخذ معناه الوطني الكامل، ويتحول من إنجاز عسكري إلى قصة نجاح في إعادة بناء الدولة.

والرسالة التي تحملها الكرمك اليوم تتجاوز حدود المدينة نفسها. فالسودان لا يحتاج إلى استعادة المدن وحدها، بل إلى استعادة فكرة الدولة القادرة على بسط سيادة القانون، وتحقيق العدالة، وتقديم الخدمات، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالحروب قد تحسم معركة السيطرة، لكن بناء الأوطان تحسمه الإدارة الرشيدة والتنمية المستدامة.

إن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق صناعة السلام. فالمواطن الذي صمد في مواجهة الرصاص ينتظر اليوم أن يجد العلاج، والتعليم، والطرق، وفرص العمل، وأن يشعر بأن الدولة حضرت إلى حياته كما حضرت إلى أرضه.

تحرير الكرمك خطوة مهمة في مسار استعادة الوطن، لكنه يضع الدولة أمام امتحان لا يقل صعوبة عن امتحان الميدان. فالانتصارات العسكرية تصنعها الجيوش، أما الانتصارات الوطنية فتنجزها مؤسسات قادرة على تحويل المدن المحررة إلى فضاءات للحياة والإنتاج والأمل.

ويبقى السؤال الأهم بعد هذا النصر: كيف ستُبنى الكرمك من جديد؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان تحريرها سيظل حدثًا عسكريًا يُروى في الذاكرة، أم سيصبح بداية مرحلة جديدة ينهض فيها السودان بثقة، ويجعل من النصر جسرًا دائمًا نحو السلام والاستقرار.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة