يشكل القرار الصادر عن مجلس السيادة الانتقالي لسنة 2026 بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية محطة مفصلية في مسار بناء الدولة السودانية، ليس لأنه قرار بتعيين عدد من القضاة فحسب، وإنما لأنه يعيد إلى منظومة العدالة إحدى أهم مؤسساتها الدستورية، ويبعث رسالة مفادها أن دولة القانون لا تكتمل إلا بوجود قضاء دستوري مستقل، قادر على حماية الدستور وصيانة الحقوق والحريات.
إن المحكمة الدستورية ليست درجة من درجات التقاضي، وليست امتدادا للقضاء العادي، وإنما هي المحكمة التي تستمد مكانتها من سمو الدستور نفسه، فتكون الحارس الأمين للمشروعية الدستورية، والضامن لالتزام سلطات الدولة جميعها بحدود اختصاصاتها، فلا تعلو سلطة على الدستور، ولا تسمو إرادة على حكم القانون.
وقد أثبتت التجارب الدستورية المقارنة أن قوة الدول لا تقاس بما تملكه من سلطات تنفيذية، وإنما بمدى احترامها لمؤسسات الرقابة الدستورية. فحين تكون المحكمة الدستورية مستقلة، تصبح الحقوق أكثر أمنا، والاستثمار أكثر استقرارا، والثقة في مؤسسات الدولة أكثر رسوخا، لأن الجميع يعلم أن هناك جهة قضائية عليا تحتكم إليها الدولة قبل الأفراد.
ولقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من غياب المحكمة الدستورية، وهو غياب انعكس على الرقابة الدستورية وعلى حماية الحقوق الأساسية، وأوجد فراغا مؤسسيا في الفصل في المنازعات ذات الطبيعة الدستورية. ومن ثم فإن إعادة تشكيل المحكمة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل بداية لمسار أكبر يتطلب استكمال البناء المؤسسي، وتوفير البيئة التي تمكن المحكمة من أداء رسالتها باستقلال كامل.
إن استقلال المحكمة الدستورية ليس امتيازا يمنح للقضاة، وإنما ضمانة تمنح للوطن. فالقاضي الدستوري لا يحمي شخصا، ولا يدافع عن حكومة أو معارضة، وإنما يحمي نصوص الدستور وروحه، ويصون التوازن بين السلطات، ويمنع أي انحراف عن مبدأ سيادة القانون.
ومن هنا فإن نجاح هذه الخطوة يرتبط بجملة من الضمانات، في مقدمتها احترام استقلال المحكمة ماليا وإداريا، وعدم التدخل في أعمالها أو التأثير على قضاتها، والالتزام بتنفيذ أحكامها باعتبارها عنوانا للحقيقة الدستورية وواجبة الاحترام من جميع سلطات الدولة.
كما أن المرحلة المقبلة تستدعي الإسراع في استكمال مؤسسات العدالة، وتعزيز التكامل بين المحكمة الدستورية والسلطة القضائية والنيابة العامة ومؤسسات إنفاذ القانون، حتى تتشكل منظومة عدلية متماسكة قادرة على إرساء دولة المؤسسات.
إن تعيين أعضاء المحكمة الدستورية ينبغي ألا ينظر إليه بوصفه نهاية لملف، وإنما بداية لمرحلة جديدة عنوانها سيادة الدستور، واحترام الحقوق، وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وإعلاء قيمة العدالة فوق كل اعتبار.
ويبقى الأمل معقودا على أن تكون المحكمة الدستورية، بما تضمه من كفاءات قانونية وقضائية، منارة للعدل، وحصنا للمشروعية، ومرجعا يطمئن إليه المواطن، ويثق فيه المستثمر، وتحتكم إليه مؤسسات الدولة، ليظل الدستور هو المرجعية العليا، وتبقى العدالة أساس الحكم، وسيادة القانون الركيزة التي يقوم عليها السودان الجديد.
المحكمة الدستورية في السودان… بين شرعية التأسيس وأمانة الحماية الدستورية ✍️د. الشاذلي عبداللطيف


