30.4 C
Khartoum
الجمعة, سبتمبر 25, 2026

الهدنة مقابل التأشيرة: دبلوماسية الفساد العالمي بين امريكا والامارات بقلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

حين يتحول مقر الأمم المتحدة إلى سوق للمساومات، وتُصبح تأشيرة رئيس دولة عضو ورقة تُقايض بها واشنطن مقابل هدنة، فإن المشهد يتجاوز حدود الدبلوماسية ليصبح فضيحة عالمية مكشوفة. فبينما يُمنع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من دخول نيويورك، تتكشّف خيوط قصة تضع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، في قلب معادلة لا تخلو من روائح مالية ثقيلة، وصفقات تُدار في الغرف المغلقة بين واشنطن وأبوظبي.

وتعود جذور المسرحية إلى يناير 2025، حين فرضت واشنطن عقوبات على البرهان بتهم تتعلق بسلوك الجيش خلال الحرب وعرقلة مسار السلام. لكن الوجه الساخر للمشهد يتجلّى في أن الإدارة الأمريكية ذاتها تتعامل بسلاسة تامة مع عشرات الحكام غير المنتخبين في العالم العربي، من ملوك ورؤساء مدى الحياة، دون أن يخطر ببالها اختبار شرعيتهم الديمقراطية أو ربط استقبالهم بوقف أي حرب. فمعيار “الشرعية” يبدو مطاطاً بما يكفي ليستوعب الجميع، باستثناء من يرفض التوقيع على الهدنة المقترحة.

واشترطت واشنطن، وفق مصادر دبلوماسية نقلتها وكالات الأنباء، منح التأشيرة للبرهان بموافقته على هدنة لمدة ثلاثة أشهر اقترحها مسعد بولس. ورفض البرهان هذا الشرط، معتبراً أن الهدن السابقة منحت قوات الدعم السريع فرصة لإعادة تنظيم صفوفها. وهكذا تحوّل حق رئيس دولة في المشاركة بالجمعية العامة إلى ورقة مساومة، في مخالفة صريحة لاتفاقية المقر المبرمة عام 1947 التي تحظر على واشنطن وضع أي عوائق أمام وصول ممثلي الدول الأعضاء، وتلزمها بمنح تأشيراتهم مجانًا وبأسرع ما يمكن، وهو ما دفع السودان إلى مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بالتدخل الفوري.

لكن السرّ الحقيقي يقف خلف اسم مسعد بولس نفسه. فقد كشف السيناتور الأمريكي كريس ميرفي أن بولس تلقى عبر أسرته رشوة بمبلغ 31 مليون دولار من الإمارات، فضلاً عن دفعات سرية لعائلة ترامب. وقال ميرفي إن بولس قدّم أسراراً للأمن القومي للإمارات، واصفاً الأمر بأنه “سلوك إجرامي محتمل”. ويأتي هذا الكشف ليمنح شرط الهدنة المربوط بالتأشيرة معنى جديداً تماماً، فالرجل الذي يضع شرطاً على رئيس السودان هو نفسه من يُتهم بتقاضي أموال من دولة تتهمها تقارير أممية بدعم أحد طرفي الحرب.

وتتضاعف سخريّة المشهد عندما نقرأ تصريحات بولس نفسه، إذ قال في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية إنه “صارح الإمارات بدعمها للمليشيا لكنهم نكرون”، وإنه “قد يكون هناك بعض التجار ممن يقومون بمثل هذه الإمدادات”. وبينما يقدّم رواية “التجار المستقلين” كتفسير بديل لتدفق الأسلحة، تتحدث تقارير أممية موثقة عن ممرات لوجستية تديرها دول بعينها، وليس تجاراً يتسكعون في الأسواق. ويبدو أن واشنطن “ليست هنا للخوض في هذه التفاصيل”، كما قال بولس، بينما هي في الوقت ذاته تخوض في تفاصيل تأشيرة رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة.

في الختام، صار العالم بأسره يعلم أن واشنطن لا تبيع التأشيرات ولا تشتريها في العلن، بل في الغرف المغلقة وبأسعار يحددها من يحمل في جيبه صفقات الإمارات. وصار العالم أيضاً يعلم أن مبدأ “الشرعية” الذي تتشدق به واشنطن ليس سوى ثوب يُلبس لمن يُطيع ويُخلع عمّن يرفض. فبينما يُمنع رئيس دولة من دخول مقر الأمم المتحدة، يُستقبل حكام لم يعرفوا صندوق اقتراع في البيت الأبيض، وتُمرَّر صفقات بمليارات الدولارات مع دول متهمة بإشعال الحروب. والسؤال الذي يفرض نفسه على كل عاقل: إذا كانت التأشيرة مقابل هدنة، فماذا كانت الـ31 مليون دولار؟

والمفارقة الكبرى أن واشنطن التي تحرس “الديمقراطية” بالبيانات، صارت اليوم تُحاصرها بالفساد، فتُصدر تصريحات عن السلام بينما تُقايض به، وتتحدث عن حقوق الإنسان بينما تتجاهل من يشتري الأسلحة لقتله، وتضع شرطاً على من يدافع عن وطنه بينما تفتح أبوابها لمن يعتدي عليه. وحين يتقدم الجيش السوداني لتحرير أرضه من براثن المليشيا، تجد واشنطن نفسها في موقف محرج، ليس لأنها لا تعرف الحقيقة، بل لأن الحقيقة أصبحت مكشوفة أمام العالم كله، ولم يعد هناك من يصدّق الرواية الرسمية عن “الشرعية” و”الوساطة النزيهة” و”السلام العادل”.

فالعالم اليوم ليس مغيباً، والشبكات الاجتماعية لم تعد ساحة ترفيه، بل أرشيف مفتوح لصفقات السياسة وصفقات السياسيين. وصار من حق أي مواطن عربي أن يسأل: من يشتري من، ومن يبيع من، ولماذا يُمنح الرئيس السوداني تأشيرة “بشرط” بينما يُمنح آخرون “بلا شروط”؟ أمريكا التي تدير ملفات العالم بمنطق المزاد، ستدرك عاجلاً أو آجلاً أن الصفقات تُكتشف، وأن الأقنعة تسقط، وأن الشعوب التي تدفع ثمن الحرب ليست بحاجة إلى دروس في الديمقراطية ممن يبيعها في المزاد.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة