40.3 C
Khartoum
الأحد, يوليو 12, 2026

الاغتراب الداخلي إلى القضارف.. تتفوق على أحلام السفر إلى السعودية قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في أروقة الانتظار الطويل التي تلتهم أحلام الشباب السوداني، حيث تتحول تكاليف السفر إلى الخارج إلى كابوس يثقل كاهل الأسر، ويصبح الحصول على تأشيرة دخول إلى المملكة العربية السعودية أشبه بسباق محفوف بالمخاطر والرسوم الباهظة، يبرز خيار مغاير يجسد عبقرية المكان والجغرافيا. لم يعد الطموح محصوراً في مطارات المغادرة وعوالم الاغتراب القاسية التي غالباً ما تنتهي بتحويل الشاب إلى مجرد عامل مستهلك لقوته الجسدية دون هوية اقتصادية، بل تحولت البوصلة نحو الشرق، نحو القضارف، حيث تتحول الأحلام إلى مشاريع عملاقة، وكثيرون ممن سبقونا هناك صنعوا ثرواتهم من رحم الأرض وبساطة البدايات. خذوا مثالاً على ذلك رجل الأعمال البارز المهندس الخير الطيب، المدير العام لشركة “كوبن للاستثمار” الصناعية، الذي انطلق من القضارف ليصبح واحداً من أبرز رواد الأعمال في مجال التصنيع الغذائي، مؤكداً أن النجاح الحقيقي يبدأ من حيث تتوفر الموارد وتتوحد الجهود، وأن السودان يحفل بفرص ذهبية لمن يمتلك الجرأة على الاستثمار فيها. السيد الخير الطيب، الذي قاد شركته إلى آفاق التصدير العالمية، يمثل نموذجاً يحتذى به لكل شاب يبحث عن مستقبل مشرق في وطنه، حيث حوّل التحديات التي فرضتها الحرب إلى نقطة انطلاق لمشاريع صناعية كبرى، وأثبت أن الإرادة والعلم هما مفتاح النجاح في أي زمان ومكان. قصته ليست مجرد حكاية نجاح فردي، بل هي رسالة واضحة لكل شاب سوداني بأن الطريق إلى الازدهار قد لا يكون بعيداً كما يتصور، وأن الجغرافيا ليست عائقاً أمام الطموح متى ما اقترن بالعزيمة والإرادة.

تعتبر القضارف، بوصفها سلة الغذاء الرئيسية وقطباً صناعياً واعداً، بيئة خصبة تنتظر أيادٍ عاملة لا تخشى المشقة، والدليل على ذلك النقلة النوعية التي شهدتها الولاية مؤخراً. فوفقاً لمفوض الاستثمار بالولاية، انتقل أكثر من خمسين مصنعاً إلى القضارف بسبب الحرب في ولايتي الخرطوم والجزيرة، مساهمةً في توفير فرص عمل للشباب والنازحين، وهو ما يؤكد أن المدينة تحولت إلى وجهة صناعية حقيقية. ولم تقتصر الفرص على المستثمرين الكبار، بل امتدت إلى الشباب الطموح، حيث يتيح نظام “المزارعة” الدخول إلى عالم الإنتاج الزراعي دون الحاجة إلى تملك الأراضي، مكتفين بتقاسم المحاصيل مع الملاك، ومع حلول موسم الحصاد، يمكن لهؤلاء المغتربين داخلياً أن يتحولوا إلى تجار أذكياء في سوق المحاصيل، يشترون الذرة والسمسم في أوج وفرة المعروض ليخزّنوها في شون مؤقتة، ثم يعيدوا بيعها في مواسم الندرة مستثمرين فروقات الأسعار التي غالباً ما تتضاعف. وتشير التقارير إلى أن بورصة أسواق محاصيل القضارف تشهد حركة نشطة، حيث بلغ وارد محصول الذرة وحده في يوم واحد أكثر من ثلاثين ألف جوال، مما يفتح آفاقاً واسعة أمام من يتقن قراءة السوق واستثمار فروقات الأسعار بين مواسم الحصاد والندرة. وتستهدف الولاية هذا العام زراعة مساحة شاسعة تبلغ سبعة ملايين ونصف المليون فدان، منها خمسة ملايين فدان خصصت لمحصول الذرة، ومليون ومائتا ألف فدان للسمسم، وخمسمائة ألف فدان للدخن، ومائتا ألف فدان للقطن، وثلاثمائة ألف فدان للفول السوداني، ومائة وخمسون ألف فدان لزهرة عباد الشمس، ومائة ألف فدان لحب التسالي، إلى جانب خمسين ألف فدان لمحاصيل أخرى، وهو ما يجعل القضارف أكبر رقعة زراعية في السودان حالياً. هذا التنوع الهائل في المساحات والمحاصيل يخلق فرصاً لا حصر لها للشباب، سواء في الإنتاج المباشر أو في التجارة والتخزين، خصوصاً مع فروقات الأسعار الكبيرة التي تشهدها البورصة، حيث تراوحت أسعار أردب الذرة بين مائة وخمسة وخمسين ألفًا ومائتي ألف جنيه، بينما بلغ سعر قنطار السمسم مائة وخمسة وخمسين ألف جنيه، ووصل طن التسالي إلى مليونين وأربعمائة وخمسين ألف جنيه، مما يعني أن من يدخل هذا السوق بذكاء يمكنه تحقيق أرباح خيالية.

غير أن الطموح لا يقف عند حدود التجارة الوسيطة، بل يتجاوزها إلى أعماق التصنيع الغذائي الذي يضاعف القيمة المضافة بشكل مذهل. والمثال الأبرز على ذلك هو ما حققته شركة “كوبن للاستثمار” من نجاحات هائلة، حيث كشف المهندس الخير الطيب، المدير العام للشركة، أن منتجات مصانعهم في القضارف من الطحينية والزيوت والسمسم والحلاوة والبسكويت حققت زيادة كبيرة في التصدير، وصلت إلى 85% من إجمالي الإنتاج، وتنافس منتجاتهم الطبيعية الخالية من أي إضافات في الأسواق العالمية. والأكثر إلهاماً أن هذه المصانع تخطط لرفع طاقتها الإنتاجية من ستين ألف طن إلى مائة وخمسين ألف طن، كما توفر فرص عمل يومية لنحو 200 عامل، وهو دليل ملموس على أن الاستثمار في القضارف لا يخدم أصحاب رؤوس الأموال فقط، بل يخلق فرصاً حقيقية للشباب الباحث عن لقمة العيش. هذا التنوع الاقتصادي المتشابك يمنح الشاب حرية اختيار المجال الذي يناسب قدراته ورأسماله، على عكس الاغتراب الخارجي الذي غالباً ما يجبره على قبول أي عمل مهما كان شاقاً، معزولاً عن أهله وثقافته. وفي مجال المعاصر، يمكن للشباب الدخول في مشاريع معاصر الزيوت التي تنتشر في المنطقة، حيث تتوفر المواد الخام بكثرة وبأسعار منافسة، ويمكن شراء معاصر بطاقة إنتاجية تتراوح بين طن وخمسة أطنان يومياً للصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتنتج هذه المعاصر زيوتاً طبيعية عالية الجودة تلقى طلباً كبيراً في الأسواق المحلية، ناهيك عن إمكانية التصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، وهو ما يفتح باباً واسعاً للشباب الطموح الذي يريد أن يكون منتجاً لا مجرد وسيط.

ولا تقف مزايا الاغتراب الداخلي عند حدود الزراعة والتصنيع، فالأسواق النابضة تستوعب تجارة القلابات التي تعبر الطرقات محملة بالبضائع بين الولايات، محققة إيرادات يومية سريعة. فهذه الشاحنات العملاقة تنقل المحاصيل من القضارف إلى أسواق الخرطوم وبورتسودان وكسلا وغيرها، وتعود محملة بالبضائع والسلع الاستهلاكية التي تحتاجها الولاية، في دورة تجارية مربحة تعود على أصحابها بعوائد مجزية. كما تستوعب السوق تجارة التجزئة والجملة في مختلف السلع، من المواد الغذائية إلى المنسوجات وقطع الغيار والأدوات المنزلية، حيث تشهد أسواق القضارف حركة دائبة طوال أيام الأسبوع. ولا ننسى سوق “الفشقة” أو تجارة الماشية، وهي سوق تقليدية ضخمة تتيح هامش ربح واسعاً، وتعتبر القضارف قلب سوق الماشية السوداني، حيث تنتشر أسواق المواشي في مدن مثل الشواك التي تتميز بموقعها الاستراتيجي على الطريق القومي الرابط بين القضارف وكسلا وبورتسودان، وتنشط فيها حركة الصادر والوارد من الماشية. وتبقى الحكومة المحلية داعمة لهذا التوجه، حيث أكد والي القضارف بالإنابة التزام الحكومة بتحويل الولاية إلى مركز صناعي زراعي والشراكة مع المستثمرين لتجاوز التحديات، مع خطة لتطوير المنطقة الصناعية لتوفير فرص العمل وخدمة المجتمع. في المقابل، يبقى الاغتراب الخارجي محفوفاً بمخاطر التهميش القانوني والاجتماعي، وتهديداً دائماً بإنهاء العقود دون مقدمات، بينما في القضارف يتضاعف رأس المال تدريجياً وتتراكم الخبرات الميدانية التي ترفد مهارات الشاب وتوسع مداركه. ولعل ما يعزز ثقة الشباب في هذا التوجه هو الإعلان عن مشاريع كبرى كالمنطقة الحرة بمنطقة دوبا، والتي تمثل نقلة نوعية في بيئة الاستثمار، إلى جانب المخططات الصناعية السبعة الموزعة في مختلف محليات الولاية، مما يؤكد أن القضارف ليست مجرد وجهة مؤقتة، بل هي مشروع تنموي متكامل يستحق الاغتراب من أجله.

في الختام، يبقى التحدي الأكبر أمام الشباب السوداني هو تجاوز النمطية الفكرية التي تجعل من السفر إلى الخارج غاية في حد ذاته، وإعادة تقييم الخيارات الداخلية التي تقدم فرصاً تنموية مستدامة دون تكاليف السفر الباهظة. لقد أثبتت تجارب العائدين من القضارف، من أمثال المهندس الخير الطيب الذي قاد شركة “كوبن” إلى العالمية، ومن الشركات العملاقة التي تنافس الأسواق العالمية بطاقة إنتاجية تصل إلى خمسين طناً من الطحنية يومياً، أن النجاح ليس رهناً بالحظ أو بالموقع الجغرافي البعيد، بل بالإدارة الرشيدة والجرأة المدروسة. إن هذا التوجه نحو الشرق ليس مجرد هروب من واقع مرير، بل هو إعادة قراءة عميقة للجغرافيا الاقتصادية الداخلية، ودعوة صريحة لشباب هذا الوطن بأن يبنوا مجدهم بأيديهم فوق تراب وطنهم، مؤكدين أن الطريق إلى الرزق قد يكون أقرب مما يتخيلون، وأن البوابة الذهبية ليست بالضرورة في مطار الخرطوم الدولي، بل في سهول القضارف الممتدة تحت سماء الوطن الواحدة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة