ليس كل البكاء دموعًا، فهناك دموع لا تراها العيون، لكنها تنحت أخاديدها في القلب حتى يشيخ قبل أوانه. وأشد تلك الدموع مرارة هي دموع الآباء حين يكتشفون أن أعمارهم التي أنفقوها في صناعة مستقبل أبنائهم لم تعد تجد مكانًا في قلوب من كانوا يومًا كل أحلامهم.
الأب لا يحسب سنوات عمره كما يحسبها الناس. فهو لا يتذكر عدد الأيام التي عاشها، وإنما عدد الليالي التي سهرها على مرض أبنائه، وعدد المرات التي أخفى فيها حاجته ليشبعهم، وعدد الأحلام التي دفنها حتى تنبت أحلامهم. لذلك فإن الأب حين يشيخ لا ينتظر قصورًا ولا أموالًا، وإنما ينتظر أن يرى ثمرة عمره في وجوه أبنائه، وأن يسمع كلمة: “رضاك يا أبي”.
لقد تغير العالم، وتغيرت وسائل التواصل، وأصبحت الهواتف تختصر المسافات، لكنها في الوقت نفسه صنعت جدرانًا جديدة بين القلوب. ومن المؤلم أن يصبح الوصول إلى الأب أو الأم أصعب من الوصول إلى آلاف الغرباء. بضغطة زر يمكن أن يُغلق باب كان يجب أن يبقى مفتوحًا ما دام القلب ينبض.
قد تختلف الأسر، وقد تتباين وجهات النظر، وقد يخطئ الآباء كما يخطئ الأبناء، فالإنسان ليس معصومًا. لكن الإسلام لم يجعل الخلاف مبررًا للعقوق، بل أمر بالإحسان حتى في أصعب الظروف، لأن بر الوالدين ليس مكافأة على الكمال، وإنما عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه.
يقول الله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا﴾. تأملوا هذا الترتيب الرباني؛ فبعد حق الله مباشرة جاء حق الوالدين، وكأن السماء تريد أن تقول للإنسان: من عرف فضل خالقه عرف فضل والديه.
وليس أعجب من أبٍ يظل يدعو لأبنائه وهم يؤلمونه، ويظل ينتظر عودتهم وهم يبتعدون عنه. فالأبوة ليست عقدًا ينتهي بالخلاف، وإنما رحمة أودعها الله في قلب الأب، ولذلك يبقى قلبه مفتوحًا حتى وهو ينزف.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يخسر مالًا أو منصبًا، بل أن يخسر دعوة والديه. فهناك أبواب في السماء لا يفتحها الذكاء، ولا المال، ولا النفوذ، وإنما تفتحها دمعة أم، أو دعوة أب خرجت من قلب صادق رضي عن ولده.
ولعل أكثر ما يؤلم أن بعض الأبناء لا يدركون قيمة آبائهم إلا بعد أن تغيب أصواتهم إلى الأبد. عندها يبحثون عن رقم هاتف لن يجيب، وعن باب لن يفتح، وعن حضن لن يعود، ويبدأ الندم يومًا لا ينفع فيه الندم.
وفي المقابل، فإننا نقول لكل أب: اجعل الرحمة تسبق الغضب، وافتح باب العفو متى وجدت صدق التوبة، فإن القلوب تتغير، والنفوس تعود، والله يحب الإصلاح بين عباده.
وفي هذه الجمعة المباركة، قبل أن تنشغل بخطبة، أو تجارة، أو مجلس، توقف لحظة. انظر إلى والديك إن كانا على قيد الحياة، وقبّل رأسيهما، واطلب رضاهما، واتصل بهما إن كنت بعيدًا، ولا تجعل بينك وبينهما حاجزًا من كِبر أو خصومة أو انشغال.
فالآباء لا يحتاجون إلى الكثير، وإنما يحتاجون إلى شعورٍ بأنهم ما زالوا يسكنون قلوب أبنائهم.
اللهم لا تجعل في بيوتنا عقوقًا، ولا قطيعة، ولا جفاء. اللهم ألّف بين قلوب الآباء والأبناء، وأصلح ذات بينهم، وارزقنا بر والدينا أحياءً وأمواتًا، واجعل دعاءهم نورًا يضيء لنا الطريق في الدنيا والآخرة.
جمعة مباركة، وليكن أول عمل بعد قراءة هذه الكلمات: أن تتواصل مع والديك، أو تدعو لهما إن كانا قد رحلا، فذلك من أعظم القربات، وأبقى الذكريات.
استراحة الجمعة حين يبكي الآباء بصمت ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف


