39.1 C
Khartoum
السبت, يوليو 25, 2026

السودان أولا 🇸🇩 جيش واحد… شعب واحد… وطن واحد 72 حركة دارفورية… فمن يحرر من؟ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

إقرأ ايضا

“الضراع المكسور ما بجبره إلا أهله.”… هكذا تقول الحكمة الدارفورية، وهي عبارة تختصر فلسفة عميقة في إدارة الأزمات فالجراح التي تصيب المجتمع لا تلتئم إلا بإرادة أبنائه، ولا يصنع السلام الحقيقي إلا الذين يدركون أن الوطن أكبر من الخلاف وأن المستقبل لا يبنى بالبندقية وحدها، بل بالعقل والحكمة والعدالة.
هناك أرقام تقرأ، وهناك أرقام تقلق، وهناك أرقام تستوجب أن تتوقف عندها الأمم لتراجع نفسها. ومن هذا النوع ذلك الرقم الذي يشير إلى وجود اثنتين وسبعين حركة دارفورية فهو ليس مجرد رقم، بل مرآة تعكس تعقيدات أزمة امتدت سنوات طويلة وتدعو إلى مراجعة شاملة لمسار الدولة، ومسار الحركات، ومسار السلام نفسه.
إن القضية في دارفور لم تبدأ بالسلاح، بل بدأت بمطالب تتعلق بالتنمية والعدالة والمشاركة السياسية. وهذه المطالب في جوهرها مطالب مشروعة في أي دولة تسعى إلى ترسيخ المواطنة المتساوية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت الوسائل تقود إلى الغاية؟ أم أن تعقيدات الصراع جعلت الوسيلة تطغى على الهدف، حتى أصبح الانقسام نفسه جزءا من الأزمة؟
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن حركات التحرر تنشأ في ظروف استثنائية، لكنها لا تحقق رسالتها كاملة إلا عندما تتحول إلى مشروع سياسي يسهم في بناء الدولة. أما إذا بقيت أسيرة الانقسامات والتنافس الداخلي، فإن القضية التي حملتها قد تفقد كثيرا من قوتها، ويصبح المواطن الذي خرجت من أجله أول المتضررين من استمرار النزاع.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: لماذا ظهرت الحركات؟ فهذا سؤال تجاوبت معه ظروف تاريخية وسياسية معقدة. أما السؤال الأهم فهو: لماذا استمر الانقسام؟ وكيف تحولت القضية الواحدة إلى عشرات التنظيمات والقيادات؟ وهل يخدم هذا التشظي أهل دارفور، أم يضاعف معاناتهم ويضعف صوتهم؟
وفي المقابل، لا تستطيع الدولة أن تعفي نفسها من المسؤولية. فالدولة القوية لا تكتفي بحماية الحدود، بل تحمي ثقة مواطنيها في العدالة، وتضمن التنمية المتوازنة، وتفتح أبواب المشاركة السياسية، وتعالج المظالم قبل أن تتحول إلى أزمات. وكل مراجعة صادقة لمستقبل السودان يجب أن تشمل أداء الدولة كما تشمل أداء الحركات، لأن السلام لا يصنعه طرف واحد.
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس وجود الخلاف، فالخلاف سنة من سنن الحياة، وإنما أن يتحول الخلاف إلى ثقافة دائمة، وأن يصبح الانقسام وسيلة لإدارة الواقع بدلا من أن يكون مرحلة عابرة في طريق الحل. فحين تتعدد الرايات، وتتراجع الفكرة الجامعة، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.
ومن هنا تبرز أهمية سؤال آخر: هل الهدف هو بقاء الحركات، أم قيام دولة تجعل وجود الحركات المسلحة غير لازم؟ إن الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القوة، وإنما على دستور يحتكم إليه الجميع، ومؤسسات تحمي الحقوق، وقانون يطبق على الجميع دون تمييز. وهذه ليست مصلحة للدولة وحدها، بل ضمانة لكل مواطن، أيا كان انتماؤه أو منطقته.
لقد دفع السودان ثمنا باهظا للحروب. تعطلت مشاريع التنمية، وتأخر التعليم، وتراجعت الخدمات، ونزح الملايين، وفقد الوطن كثيرا من موارده البشرية والاقتصادية. والخاسر الحقيقي في كل ذلك هو المواطن الذي ينتظر مدرسة لأبنائه، ومستشفى لأسرته، وطريقا يربط قريته، وفرصة عمل تحفظ كرامته.
وفي خضم هذه التحديات، لا ينبغي أن نغفل الدور التاريخي للإدارة الأهلية في دارفور. فقد عرفت المنطقة عبر تاريخها السلاطين، والمقاديم، والشرتايات، والنظار، والملوك، والعمد، والمشايخ، الذين أسهموا في حفظ السلم المجتمعي، وإصلاح ذات البين، وإدارة الخلاف بالحكمة قبل أن تتعرف المنطقة على كثير من النظم الحديثة. وليس المقصود أن تكون الإدارة الأهلية بديلا عن الدولة، وإنما شريكا وطنيا يسند جهودها في تحقيق المصالحة وإعادة بناء الثقة.
إن الدعوة إلى مؤتمر جامع برعاية الدولة، وبمشاركة الإدارة الأهلية والقوى السياسية والمجتمعية والحركات المسلحة، ليست دعوة إلى اجتماع جديد فحسب، بل دعوة إلى مراجعة وطنية شاملة، يكون هدفها الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة بناء الدولة. فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، وإنما إلى مشروع جامع يعيد الاعتبار للمواطنة، ويجعل القانون مرجعية الجميع.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس في عدد الحركات التي نشأت، بل في القدرة على بناء دولة لا يشعر فيها أي مواطن أن السلاح هو الطريق الوحيد للمطالبة بحقه. فحين تقوم دولة العدل، وتترسخ سيادة القانون، وتتسع مؤسساتها لجميع أبنائها، يصبح السلام خيارا دائما لا هدنة مؤقتة.
سيذكر التاريخ عدد الحركات التي ظهرت، لكنه سيتذكر أكثر أولئك الذين امتلكوا شجاعة إنهاء أسباب قيامها. وسيخلد من نجحوا في تحويل الصراع إلى شراكة، والانقسام إلى وحدة، والمطالب إلى حقوق يكفلها الدستور ويحميها القانون.
إن السودان لا يربح إذا انتصرت حركة على أخرى، ولا إذا انتصرت حكومة على حركة، وإنما يربح عندما ينتصر الجميع لفكرة الدولة. فالدولة وحدها هي التي تحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتحفظ التنوع، وتمنح الأجيال القادمة وطنا لا يبحثون فيه عن راية جديدة، بل يجدون فيه راية واحدة تجمعهم جميعا: راية السودان.
السودان أولا 🇸🇩
جيش واحد… شعب واحد… وطن واحد.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة