36.8 C
Khartoum
السبت, يوليو 25, 2026

السودان أولا : شهادة من قلب الميدان… ما لا يراه المواطن ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

إقرأ ايضا

إهداء

إلى كل جندي سوداني رابط في موقعه، يحمل بندقيته بيد، ويحمل السودان في قلبه…

إلى كل شهيد أدى واجبه وهو يؤمن أن الأوطان لا تحفظ بالأماني، وإنما بتضحيات الرجال…

إلى كل أم ودعت ابنها بقلب ثابت ودمعة مخفية، وإلى كل زوجة حملت مسؤولية بيتها في غياب زوجها، وإلى كل طفل ما زال ينتظر عودة أبيه…

هذه ليست قصة حرب، وإنما شهادة وفاء لرجال عرفتهم في الميدان.

«”إذا أردت أن تعرف قيمة الأمن، فلا تسأل من ينام مطمئنا في بيته، بل اسأل الجندي الذي أمضى ليلته في الخندق، يراقب الأفق بعين، ويحمل وطنه كله في قلبه.”»

هناك حقائق لا تنقلها نشرات الأخبار، ولا تلتقطها عدسات الكاميرات، ولا تختصرها البيانات العسكرية. إنها الحقائق التي لا يعرفها إلا من عاشها، وتقاسم مع رفاقه قسوة الميدان، وطول السهر، وثقل المسؤولية.

على مدى ست سنوات قضيتها في مسارح العمليات بين دارفور والاستوائية، أدركت أن الحرب ليست أصوات مدافع ورائحة بارود فحسب، بل امتحان يومي للإنسان. هناك تتجرد النفوس من الأقنعة، وتظهر معادن الرجال، ويصبح الانضباط والوفاء والشجاعة قيما تعاش، لا كلمات تقال.

حين تبدأ المعركة، يتغير معنى الزمن. الدقيقة تصبح دهرا، والثانية قد تفصل بين الحياة والموت. ومع ذلك يبقى الجندي ثابتا، يؤدي واجبه، لا لأنه لا يعرف الخوف، بل لأنه تعلم أن يقدم الواجب على الخوف، وأن يضع أمن وطنه فوق راحته.

وفي الميدان يولد نوع من الأخوة لا تصنعه المصالح ولا تجمعه القرابة. أخوة تقوم على الثقة المطلقة، وعلى الإيمان بأن سلامتك مرتبطة بسلامة رفيقك. هناك يتقاسم الجنود الماء، والطعام، والتعب، والخطر، والدعاء، ويصبح نجاح الفرد نجاحا للجميع، وتضحية الواحد حماية للباقين.

لكن ما لا يراه الناس هو الوجه الآخر للحرب. الجندي الذي يبتسم عندما يتصل بأسرته يخفي خلف صوته ساعات طويلة من الإرهاق. والأم التي تدعو لابنها كل ليلة تخوض معركتها الخاصة بالصبر، والزوجة التي تتحمل الغياب، والطفل الذي ينتظر عودة والده، جميعهم شركاء في التضحية، وإن لم يحملوا السلاح.

لقد علمتني سنوات الميدان أن العسكرية ليست زيا يرتدى، ولا رتبة تعلق على الكتف، وإنما التزام بالقسم، وانضباط في الأداء، واستعداد لتحمل المسؤولية في أصعب الظروف. والجندي الحقيقي هو من يؤدي واجبه بصمت، ثم يعود دون أن ينتظر شكرا أو تصفيقا.

ولذلك فإن احترام الجندي لا يعني تمجيد الحرب، وإنما تقدير من تحمل أعباءها دفاعا عن وطنه. فالسلام هو الغاية التي ينشدها الجميع، لكنه يحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات راسخة، وشعب متماسك، يحترم القانون، ويقدر كل من يؤدي واجبه بإخلاص.

لقد خرجت من تلك السنوات بقناعة لا تتغير: إن الأوطان لا تحفظ بالشعارات وحدها، وإنما يحفظها رجال أوفياء، ومواطنون مسؤولون، وقيادات تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وأقول لكل سوداني: إذا اختلفتم في السياسة، فلا تختلفوا على السودان. وإذا تنوعت آراؤكم، فلا تجعلوا اختلافكم سببا في إضعاف الدولة أو تمزيق المجتمع. وتذكروا دائما أن الأمن نعمة عظيمة، وأن وراء كل يوم هادئ رجالا سهروا ليكون غيرهم في أمان.

وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أستحضر أصوات المدافع، بل أستحضر وجوه رجال عرفتهم في الميدان. بعضهم عاد إلى أهله، وبعضهم ارتقى إلى رحمة الله، وبعضهم ما زالت أسماؤهم محفورة في الذاكرة. جميعهم علموني أن حب الوطن يقاس بالفعل، لا بالشعارات.

السودان أولا… ليس شعارا يرفع عند الحاجة، بل مبدأ يحكم الضمير.

جيش واحد… ولاؤه للسودان، ومهمته حماية الدولة وصون سيادتها.

شعب واحد… يجمعه التاريخ، وتوحده المسؤولية، ويحفظه القانون.

وطن واحد… لا يقبل القسمة، ولا يعرف بديلا عن وحدته وسيادته وكرامة أهله.

اللهم احفظ السودان، واحقن دماء أهله، وارحم شهداءه، واشف جرحاه، وأعد كل غائب إلى أهله سالما، واجعل مستقبل هذا الوطن قائما على العدل، والوحدة، والسلام، والكرامة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة