هل تظن أيها الوطن أننا لا نراك حين ترانا؟ أم أنك تهمس في أذن الريح بحكايات لا نسمعها؟ دعني أخبرك سراً: نحن نراك في كل شارعٍ هجرته الأقدام، وفي كل مؤسسةٍ أصبحت ظلاً لذاتها، وفي كل عينٍ تطل من خلف النوافذ المغلقة. هناك من يظن أنك أعمى، فيمضي في دروب الخيانة كأنما يمشي على أرضٍ لا تراه، وهناك من يتخذ من المصلحة الشخصية بوصلةً يضل بها الطريق، ناسياً أن عينيك، أيها الوطن، لا تغفل، وأن يديك تمتدان لتضم من يستحق، وتدفع من خان. إنها لعبة الأقدار العجيبة، أن يظن الخائن أنه يختبئ خلف أصابعه، بينما أنت تراه كالشمس في كبد السماء، ترى كل خطوةٍ يخطوها، وكل كلمةٍ يهمس بها، وكل صفقةٍ يعقدها مع أعدائك تحت جنح الظلام. دعني أمازحك قليلاً وأنا أرسم لك صورهم، لأن الضحك أحياناً يكون أبلغ من البكاء، والسخرية أقسى من السيوف.
انظر أيها الوطن إلى أولئك الذين لبسوا ثياب الوطنية كالتنكر، وناموا على وسائد الغدر كأنها أمان. إنهم يمرون أمامك كل يوم، يرفعون الشعارات ويخفضون المبادئ، يبيعون الولاء لأعدائك بأبخس الأثمان، ثم يظنون أنك لا ترى! تعالَ معي نتأملهم واحداً واحداً، لأن لكل منهم حكايةً تستحق أن تُروى، ولكل منهم بصمةٌ في جبين الخزي لا تمحى.
أما القحاطة، تلك الجماعة التي تسللت إلى أحضان الوطن كالدود إلى الثمرة الناضجة، فكانوا يظنون أنهم يقطمون أجزاءً منك أيها الوطن، لكنهم في الحقيقة كانوا يقطمون من أخلاقهم قبل أن يقطموا من ترابك. جاؤوا يحملون في حقائبهم مشاريع الهدم تحت عناوين براقة، يتحدثون عن التنمية وقلوبهم تعج بالخراب، يتصافحون مع أعدائك بالنهار ويبكونك بالليل أمام الكاميرات. كل واحد منهم كان يظن أنه ذكي، وأن خيوط مؤامرته محكمة كأنسجة العنكبوت، لكن عينيك، أيها الوطن، كانت تراقب، وعيون شعبك كانت تحصي كل جرحٍ يزرعونه في جسدك. القحاطة لم يدركوا أن الوطن ليس فطيرةً تُقسم، بل هو أمٌ لا تُجزأ، وأن من يحاول تقطيعها يقطع يديه قبل أن يقطعها.
ثم يأتي خالد سلك، ذاك الرجل الذي جعل من خيانته علامةً فارقة في تاريخ الخزي السوداني. هل تذكرونه أيها الوطن حين وقف يتحدث عن حبك بلسانٍ معسول، بينما كان يمد يديه خلسةً ليمنح أعداءك مفاتيح أسرارك؟ إنه أشبه بثعبانٍ يزحف بين الأزهار، يظن أن رشاقته في الحركة تخفي سمومه، لكن عينيك كانتا ترصدان كل التواءةٍ في جسده. لقد ظن أن الوقت يعمل لمصلحته، وأن الأيام ستغسل وصمة العار التي طبعها على جبينه، لكنه نسي أنك أيها الوطن تحمل ذاكرةً لا تنسى، وأن التاريخ يكتب بحبر لا يبهت. خالد سلك أصبح مثالاً يُضرب به في الغدر، وصار اسمه مرادفاً للخيانة في كل مجلسٍ يُذكر فيه الولاء، لأنه اختار أن يكون جسراً للعدو على حساب أبناء وطنه.
وعبد الله حمدوك، ذاك الرجل الذي ارتدى بدلة الرجل المدني وظن أنها تخفي ما في جعبته من نوايا ملتوية. كم مرةً وقف أمامك أيها الوطن يلوح بورقةٍ يتيمة، يتحدث عن الحلول السحرية وهو يحمل في جيبه سموم التبعية؟ إنه يشبه ذلك الممثل الذي يؤدي دور البطل على المسرح، لكنه خلف الكواليس يبيع دوراً لمن يدفع أكثر. حمدوك راهن على أن الوجه الوسيم والكلمات الرنانة تكفي لخداع الجميع، لكن عينيك، أيها الوطن، كانتا تنظران إلى ما وراء القناع، إلى تلك المصافحات الخفية مع من يحاولون النيل من كرامتك، وإلى تلك الوعود التي كان يقطعها لأعدائك مقابل كرسيٍ يظل عليه. ترك حمدوك وراءه أثراً من التناقضات، وصرخةً من الألم في قلوب من آمنوا به يوماً، لكن الوطن بقي صامداً، والناس تعلمت أن الوجوه تغيرت، والمبادئ بقيت.
وياسر عرمان، ذلك الرجل الذي تقلب في أحضان المشاريع الخارجية كالماء بين الأصابع، يظن أن خياناته المتعددة تمر مرور الكرام. بدأ كمن يبحث عن موطئ قدم، وانتهى كمن يبيع الوطن بأجزائه الصغيرة، متاجراً بدماء الشهداء وكأنها سلعة في سوقٍ مفتوحة. عرمان كان يتنقل بين الطاولات كالنحلة التي تجمع الرحيق من كل زهرة، لكن رحيقه كان سمّاً، وكل زهرةٍ حط عليها كانت تذبل بعد رحيله. لقد راهن على أن الوطن مشغولٌ بمعاركه، وأن عيون الناس مشغولةٌ بلقمة العيش، لكنه نسي أن عينيك أيها الوطن لا تنام، وأن شعبك الذي يحمل راياتك في الميادين يرى كل شيء، ويسجل كل شيء، ولا ينسى شيئاً.
لكنك، أيها الوطن، لا تغفل، فأنت تنظر إليهم بعيون شعبك التي لا تنام، بعيون الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، وبعيون الشباب الذين يحملون راياتك في الميادين. هؤلاء الخونة، مهما رفعوا رؤوسهم، يظلون صغاراً في عينيك، لأن عينيك هي عيون شعبك، وشعبك يعرف كل صغيرة وكبيرة، يعرف من باع ومن اشترى، ومن خان ومن وفى. إنهم يمشون بيننا كالأشباح، يظنون أن الأيام ستنسى أفعالهم، لكن التاريخ أيها الوطن يكتب بالدم لا بالحبر، وبالأفعال لا بالأقوال. كل خائنٍ منهم يحمل في جعبته ألف عذرٍ لتبرير خيانته، لكن الأعذار لا تليق بمن باع وطناً، ولا تليق بمن جعل من دماء أبنائه سلعةً رخيصة.
غير أن الأمل أيها الوطن لا يموت، ففي كل زاوية من زواياك تقف القوات المسلحة كالضمير الحي الذي لا ينام، تحرس حدودك كما تحرس الأم رضيعها، وتحمي حلمك كما يحمي العاشق ذكرى حبيبه. إنهم، أيها الوطن، ليسوا مجرد جنود، بل هم الضمير الذي يذكرنا كل يوم بأننا نملك وطناً يستحق أن نضحي من أجله، وأن الخيانة مهما تطاولت لا تستطيع أن تنال من جذورك التي تغلغلت في أعماق الأرض. القوات المسلحة والقوات المساندة هي تلك النبضات التي توقظنا كل صباح، وتذكرنا بأن الوطن أكبر من أي خائن، وأن العين التي تراقب لا تغفل أبداً. إنهم الحصن الذي تحطمت على صخوره مؤامرات القحاطة، والجدار الذي ارتدت عنه خيانات خالد سلك، والسياج الذي قصم ظهر مساعي حمدوك وعرمان. هم الذين يذكرون الخونة كل يوم بأن الوطن لهم بالمرصاد، وأن الضمير الحي لا ينام، وأن الدماء التي سالت على ترابك ستظل شاهدةً على من خان ومن وفى.
هؤلاء الخونة، الذين يظنون أنهم يستطيعون النيل منك، ينسون أنك أيها الوطن لست حجارةً ولا حدوداً، بل أنت روحٌ تسري في عروقنا، وأن كل محاولةٍ لخيانتك هي محاولةٌ لخيانة الذات. إنهم يبيعونك ويشترون، ويتاجرون بأرضك كأنها سوق، لكن شعبك الذي يحمل اسمك في قلبه يعرف أن الثمن الذي يدفعونه هو ثمن خسارتهم هم، لا خسارتك أنت، لأنك ستبقى، وستبقى، وستبقى، وهم سيمضون كغبارٍ تذروه الرياح. كل خائنٍ منهم سيرحل ويترك خلفه أثراً من العار يلاحق أبناءه وأحفاده، بينما ستبقى أنت أيها الوطن شامخاً، لأنك لست بحاجةٍ إلى خائنٍ، ولا إلى من يظن أن بإمكانه أن يمحو اسمك من ذاكرة الأجيال.
في الختام، أيها الوطن الحبيب، لا تحزن على من خانوك، فهم لا يستحقون حزناً واحداً منك. انظر إلى من بقوا معك، إلى من حملوا السلاح لحمايتك، وإلى من حملوا القلم لكتابة مجدك، وإلى من حملوا الروح ليكونوا ضميرك الحي. أولئك هم من يستحقون أن يكونوا في عينيك، وأولئك هم من سيبقون في ذاكرة الأجيال. أما الخونة، القحاطة وخالد سلك وعبد الله حمدوك وياسر عرمان ومن سار على دربهم، فسيظلون في ذاكرة العار، لأن عينيك، أيها الوطن، لا تغفل، ويديك، أيها الوطن، تمتدان لتضم من يستحق، وتطرد من لا يستحق، وسيبقى شعبك هو الحارس الأمين الذي لا ينام، وهوطن الضمير الحي الذي لا يخون.


