39.1 C
Khartoum
السبت, يوليو 25, 2026

تضخيم النشر وتراجع الوعي… أزمة أخلاقيات الفضاء الرقمي قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

حين تطالعنا الكاتبة انتصار عبدالغني الشايقي بأسلوبها الرصين، الذي ينساب بين السطور كأنفاس الصباح الأولى، وتنسج كلماتها من خيوط الحقيقة والوجدان ما يجعل القارئ يسبح في أعماق ما تكتب، حيث يلامس الإحساس الواقع وتتجلى الصور وكأنها مرسومة بالروح قبل القلم، فإنها في مقالها العميق “فوضى النشر…” لم تقدم مجرد رصد لظاهرة عابرة، بل رسمت لوحة نابضة عن أزمة أخلاقية طفت على سطح مجتمعنا، بذاك النسق الفريد الذي يجمع بين العمق والجمال، والوعي والعاطفة، وبذلك المنطق الذي لا يترك للقارئ مناصًا من التوقف طويلًا عند كل جملة، وكأنها تدعوه إلى رحلة تأمل في مكنون الذات قبل استعراض عيوب الآخرين. فلم تكن كتابتها هجاءً ولا وعظًا، بل كانت مرآة صافية تعكس واقعًا مؤرقًا، بأسلوب يذكّرنا بزمن كانت فيه الكلمة وزنًا والخبر ميزانًا، مما يدفعنا إلى رد اعتبار الكلمة بحجم ما منحتنا من إلهام، وإلى الغوص في جذور الظاهرة التي ألمّت بها، لنعيد سردها بعين ناقدة ومتقدة، علّنا نبلغ من العمق ما بلغته، ونلامس من الحقيقة ما لمسته، ونكون عند حسن ظنها بنا حين جعلت من كتابتها فاتحة لنقاش أوسع وأعمق.

تعود جذور هذه الظاهرة إلى تضافر عوامل متشابكة، أبرزها سهولة النشر التي أزالت كل الحواجز التقليدية، فصار كل فرد محررًا وناشرًا في آن، دون رقيب أو مرجعية مهنية. فحين تغيب المراجعة وتتلاشى المسؤولية، يتحول الخبر إلى سلعة رخيصة، تروق للغريزة أكثر مما ترضي العقل، وتتحول الصورة من شاهد على الحقيقة إلى أداة لتشويهها، حين تُقتطع من سياقها وتُعرض على أنظار لا تعرف خلفياتها. كما أن المنصات الرقمية، بطبيعتها الخوارزمية، تكافئ الإثارة وتعاقب الرصانة؛ فكلما كان المحتوى أكثر صدمة أو غرابة، زاد انتشاره، وتضاعف تفاعل المستخدمين، وكأن القيمة لم تعد في المضمون بل في حجم الضجيج الذي يحدثه، وكأن الشهرة باتت تُقاس بعدد المشاركات لا بعمق الأفكار. وهذا ما دفع كثيرًا من الصفحات والأفراد إلى استغلال الخصوصيات واقتحام حياة الآخرين بحثًا عن لحظة اشتهار عابرة، متناسين أن السمعة ليست سلعة تُباع ولا قصة تُستهلك، وأن حرمة البيوت ليست مجرد عرف اجتماعي بل خط أحمر لا تبيحه حرية ولا تبرره حداثة. ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الممارسات باتت تُروج لها أحيانًا تحت شعار “حرية التعبير”، وكأن الحرية الحقيقية تكمن في انتهاك حرمات الناس، في حين أن أي حرية تتحول إلى فوضى حين تفتقد إلى الضمير، وتصبح سيفًا مسلطًا على رقاب الضعفاء بدل أن تكون جسرًا للتواصل البناء.

أما على الصعيد الاجتماعي، فلا يمكن إنكار الأثر المدمر لهذا التضخم في النشر على نسيج المجتمع السوداني خاصة، ذلك المجتمع الذي عُرف بالتكافل والتسامح واحترام الخصوصية، وصار اليوم يشهد مشاهد مؤلمة: خلاف عائلي يُوثق وينشر بدل أن يحل، ومشاجرة في السوق تُصور وتُبث بدل أن تُوقف، ولحظة ضعف لإنسان عادي تتحول إلى مادة للسخرية والتجريح، وكأن الهواتف أصبحت أدوات رقابة اجتماعية لا ترحم، بل وكأن كل حامل هاتف صار محققًا وقاضيًا في آن. وقد أشارت تقارير صادرة عن مراكز دراسات الإعلام الرقمي إلى أن معدلات التنمر الإلكتروني والتشهير عبر وسائل التواصل في المنطقة العربية ارتفعت بنسبة تجاوزت ٦٠٪ خلال الأعوام الخمسة الماضية، مما يعكس تحولًا خطيرًا في الثقافة المجتمعية نحو استسهال انتهاك الخصوصية، وتراجعًا في قيمة الستر التي كانت تشكل ركيزة أساسية في منظومتنا الأخلاقية. ولا تقتصر التداعيات على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع ككل؛ فالبيت الذي تُنشر قصته ينكسر سوره، والعلاقة التي تُفضح تفاصيلها تهتز ثقتها، والسمعة التي تنال منها تعليقات غير مسؤولة قد لا تتعافى أبدًا، وكأن الجرح الذي تحدثه الكلمة الإلكترونية أعمق من أن تلتئمه الأيام. والأمر الأكثر إيلامًا أن الحقيقة غالبًا ما تأتي متأخرة، بعد أن يكون الحكم قد صدر، والقلوب قد امتلأت بالأحقاد، والعلاقات قد تهشمت على صخرة الانطباعات الأولى، فلا يعود للنقاء مكان ولا للاعتذار أثر.

وفي سياق متصل، تبرز هنا قضية أخلاقيات المهنة الإعلامية، التي أصبحت في مهب الريح مع تزايد الاعتماد على المحتوى المقدم من غير المختصين، وكأن الإعلام صار لعبة يحترفها كل من يملك هاتفًا ذكيًا. فما يحدث اليوم ليس مجرد فوضى عابرة، بل أزمة منهجية في تقديم المعلومات، حيث يختلط الخبر بالرأي، ويتداخل الواقع بالافتراء، وتصبح الدقة ضحية السرعة، والموضوعية فريسة الإثارة، وتتحول المفردات إلى سيوف مسلطة على الأعراض. وبينما تسعى المؤسسات الإعلامية الجادة إلى وضع مدونات سلوك وتدريبات مهنية لضمان الجودة والموثوقية، فإن المحتوى المنتشر عبر الأفراد يظل بعيدًا عن أي رقابة أو محاسبة، مما يخلق فجوة هائلة بين الإعلام المحترف والإعلام الفردي العشوائي، ويجعل الحقيقة ضائعة بين أكوام من الافتراءات. وهنا تكمن المفارقة الأعظم: فبينما تطورت أدوات النشر وتنوعت منصاته، تراجعت منظومة القيم التي تضبط استخدامها، وأصبحنا نواجه حالة من الانفصام الأخلاقي حيث نمتلك أدوات متقدمة لكننا نستخدمها بعقلية بدائية، وكأننا نركب سفينة فضاء بأشرعة من ورق. وقد أكد خبراء في علم الاجتماع الرقمي أن معالجة هذه الأزمة لا تقتصر على سن القوانين، بل تحتاج إلى إعادة بناء ثقافة الاستخدام من الطفولة المبكرة، وغرس قيم المسؤولية والوعي النقدي في المناهج التعليمية والأسرية، حتى يصبح النشر فعلًا واعيًا لا رد فعل عشوائيًا.

إن الحديث عن الحلول قد يبدو مثاليًا في زمن يعج بالصخب الرقمي، لكن التجارب العالمية أثبتت أن الوعي المجتمعي قادر على صنع الفارق حين تتوافر الإرادة وتُستنهض الضمائر. ففي بعض الدول الأوروبية، أطلقت حملات توعية واسعة حول مخاطر النشر غير المسؤول، وأُدرجت في المناهج المدرسية مواد عن المواطنة الرقمية، كما أُنشئت آليات للتبليغ عن المحتوى المسيء، مما أسهم في خفض معدلات التشهير الإلكتروني بشكل ملحوظ، وعاد للكلمة بعض من هيبتها المفقودة. وهذا يُظهر أن الإرادة الجمعية، حين تجتمع مع التشريعات الحكيمة والتعليم الواعي، تستطيع أن تعيد الاعتبار للكلمة وتُحيي حياءها المفقود، وتجعل الفضاء الرقمي فضاءً للبناء لا للهدم. ولسنا بحاجة إلى انتظار معجزة، بل إلى استنهاض الضمير الفردي والجماعي؛ بأن نتوقف للحظة قبل الضغط على زر “نشر” ونسأل أنفسنا بصدق: هل هذا الخبر يبني أم يهدم؟ هل هذه الصورة تحمي أم تؤذي؟ هل هذه الكلمة تضيف قيمة أم تسلب كرامة؟ فكما أن المجتمعات تحميها القوانين، فإنها تحميها أيضًا الأخلاق التي يحملها الناس في جيوبهم وفي أيديهم وفي هواتفهم، وتلك الأخلاق وحدها هي الحصن الأخير ضد الطوفان الذي تتحدث عنه الكاتبة.

إن الهاتف المحمول بين أيدينا ليس أكثر من أداة صامتة، لا يميز بين الخير والشر، ولا يفرق بين الفضيلة والرذيلة، ولا يستطيع أن يضبط نفسه بنفسه، ولا يهدي من ينشر الرذيلة إلى رشد، بل يظل آلة جامدة تنتظر من يوجهها، وكما أن السكين قد تكون أداة بناء أو أداة قتل، فالهاتف كذلك، إن استخدمه صاحبه لنشر الخير كان نعمة، وإن استعمله للتشهير كان نقمة. ومن هنا ينبع جوهر المسؤولية الفردية التي لا يمكن أن تحل محلها أي تشريعات أو رقابات، فالتكنولوجيا تمنحنا الإمكانيات، لكن الضمير هو من يمنحها الاتجاه، والعقل هو من يصوغ استخدامها، ولن يصلح حال هذه الوسائل ما لم نصلح نحن نفوسنا أولًا، فنعيد النظر في دوافعنا قبل كل منشور، ونراجع نياتنا قبل كل تغريدة، ونتذكر أن الشاشة التي ننظر إليها ترى ما لا تراه العيون، وتسجل ما لا تنساه الذاكرة، وتفضح ما نحاول إخفاءه. وعلينا أن ندرك أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من قراراتنا اليومية الصغيرة، من تروينا قبل النشر، من تثبتنا قبل التداول، من سكوتنا حين لا نعلم، ومن كتماننا حين نعلم ولكن النشر لا يزيد إلا أذى، فما أحوجنا إلى وقفة صادقة مع الذات، نعيد فيها ترتيب أولوياتنا، ونضع الكرامة الإنسانية فوق أي اعتبار آخر، ونجعل من هواتفنا جسورًا للخير لا منصات للشر، ونكون قدوة لمن حولنا في التعامل الراقي مع هذه التقنية التي أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.

ومن هنا، وبمنطق المسؤولية الوطنية التي تستوجب التصدي لهذا الخطر المحدق بتماسكنا الاجتماعي، نناشد بصوت يرتجيه الخير لهذا البلد أن تُولى هذه القضية ما تستحقه من اهتمام على أعلى المستويات، وذلك عبر اقتراح إنشاء “إدارة تنظيم المحتوى الرقمي والأمن الإعلامي”، وهي إدارة متخصصة تعمل بتنسيق كامل مع الجهات النظامية والأمنية، لتضطلع بمهمة رصد ومتابعة المحتوى الرقمي المخالف للقيم والأخلاقيات، ووضع ضوابط واضحة للنشر تحمي الخصوصية وتحفظ الكرامة، دون أن تمس بحرية التعبير المشروعة التي هي عماد أي مجتمع متحضر. فالحاجة اليوم ليست إلى مزيد من القمع أو التكميم، بل إلى تنظيم رشيد يضع حدًا للفوضى، ويحمي المجتمع من ألسنة إلكترونية لا تعرف الرحمة، ويعيد للكلمة هيبتها وللناس حقهم في الستر. وهذه الإدارة، إن رأت النور، ستكون بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي الأعراض والسمات من عبث العابثين، وتكون حلقة الوصل بين الأخلاقيات الإعلامية والضبط الأمني، بما يضمن بيئة رقمية آمنة تسهم في بناء مجتمع متماسك، لا في هدمه بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

في الختام، تظل قضية الوعي بالنشر اختبارًا حقيقيًا لنضج المجتمعات في عصر الرقمنة، وموازنة دقيقة بين حريتنا في التعبير وحق الآخرين في الخصوصية والكرامة، تمامًا كما أشارت إليه الكاتبة انتصار عبدالغني الشايقي التي أوضحت أن المعلومة ليست هدفًا بذاته بل وسيلة لتحقيق الخير المشترك. ولعل ما كتبته بأسلوبها الآسر يمثل صوتًا صادقًا من داخل المجتمع السوداني، ينبه إلى الخطر ويستنهض الوعي، وكلمتُنا هنا ليست ردًا على مقالها بقدر ما هي امتداد لصوتها، وتأكيد على أن معركة استعادة الكلمة لحيائها هي معركة الجميع، وأن ما خطته أناملها ليس مجرد كلمات عابرة بل نهر من المعاني يتدفق ليوقظ فينا ما دفناه من قيم. فالإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، والتواصل مسؤولية قبل أن يكون حقًا، والمجتمع الذي يدرك ذلك قادر على تحويل الهواتف من أدوات للتدمير إلى جسور للتواصل الحقيقي، ومن منصات للفضائح إلى نوافذ للأمل. ولنذكر دائمًا أن السكوت أحيانًا يكون بلاغة، والكتمان أحيانًا يكون كرامة، والنشر أحيانًا يكون عبئًا ثقيلًا لا تحتمله السمعة مهما كانت قوية، وأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولغيرنا هو أن نكون سببًا في نشر أمل لا ألم، وفكرة لا فتنة، وسكينة لا صخب. فهل نستطيع، كل من موقعه، أن نكون جزءًا من الحل لا من الطوفان؟ الإجابة تكمن في قرارنا اليومي أمام كل منشور، وفي وعينا بحجم المسؤولية التي تحملها أصابعنا حين تلامس شاشاتنا.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة