في مدينةٍ يظل فيها النيل جزءاً من الحياة اليومية وفضاءً مفتوحاً للترفيه، برزت حملة الدفاع المدني الأخيرة بوصفها تدخلاً عملياً يواجه واحدة من أكثر المخاطر إلحاحاً على الأسر، وهي السباحة في المواقع غير الآمنة. فالمسألة لم تعد مجرد تحذيرات موسمية عابرة، بل تحولت إلى جهد ميداني منظم تقوده قيادة الدفاع المدني برعاية ومتابعة الفريق شرطة حقوقي د. عثمان عطا مصطفى، في محاولة واضحة لنقل الوعي من مستوى التنبيه النظري إلى مستوى الحضور المباشر على الأرض، حيث يوجد الخطر الحقيقي وتُختبر سرعة الاستجابة وفاعلية الوقاية.
وتكتسب الحملة أهميتها من خلفية مقلقة كشفتها التغطيات الصحفية المصاحبة لها، إذ أشارت تقارير منشورة إلى أن الفئة العمرية بين 14 و18 عاماً تمثل نحو 40% من حالات الغرق والمفقودين المسجلة، وهي نسبة تضع المراهقين وطلاب المدارس في قلب المعادلة الوقائية. هذا المعطى يفسر لماذا ركزت الرسائل المصاحبة للحملة على مسؤولية الأسرة والمتابعة اليومية، لا بوصفها عبئاً إضافياً، بل باعتبارها خط الحماية الأول قبل وصول فرق الإنقاذ. كما يفسر أيضاً لماذا لم يقتصر الخطاب على التحذير من التيارات المائية وحدها، بل امتد إلى مخاطر أخرى مرتبطة ببعض المواقع النيلية غير المؤهلة للسباحة.
وما يميز الحملة في صورتها الراهنة أنها جمعت بين الانتشار الميداني والرسالة التوعوية في وقت واحد؛ إذ شاركت فيها فرق الضفادع البشرية ووحدات الإنقاذ النهري والإنقاذ البري وشرطة النجدة، مع وجود مباشر في النقاط الأكثر خطورة على امتداد ضفاف النيل بولاية الخرطوم. ويُظهر التسجيل المتداول حضوراً ميدانياً واضحاً ورسالة مباشرة مفادها أن الوقاية لا تقل أهمية عن الإنقاذ نفسه، وأن توفير المعينات والمعدات والانتشار على الشواطئ يهدف أساساً إلى إبعاد الأطفال والشباب عن أماكن السباحة غير الآمنة قبل وقوع الحادث، لا بعده. بهذا المعنى، فإن الحملة تتحرك بمنطق استباقي يعتبر حماية الأرواح مسؤولية تبدأ من التنبيه المبكر ثم الجاهزية السريعة إذا استدعى الأمر تدخلاً عملياً.
ومن زاوية أوسع، تكشف الحملة عن تحول مهم في فهم السلامة المائية باعتبارها عملاً مجتمعياً مشتركاً، لا مهمة ميدانية تخص جهة واحدة. فالتقارير المنشورة تتحدث عن توسيع التوعية في محليات الولاية، واستخدام مكبرات الصوت والزوارق والانتشار البشري، إلى جانب الدعوة للتنسيق مع المجتمع المحلي والأسر والمدارس من أجل تقليل السلوكيات الخطرة قبل أن تتحول إلى مآسٍ. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن نجاح أي حملة من هذا النوع لا يقاس فقط بعدد الدوريات أو المعدات، بل بقدرتها على تغيير السلوك العام، وتحويل شواطئ النيل من أماكن مخاطرة مفتوحة إلى فضاءات أكثر انضباطاً ووعياً ومسؤولية.
في الختام، تبدو حملة الدفاع المدني على ضفاف النيل أكثر من مجرد نشاط توعوي عابر؛ فهي رسالة مهنية وإنسانية تقول إن حماية الأرواح تبدأ من الوعي، وتتقوى بالحضور الميداني، وتنجح حين تتعاون الأسرة والمجتمع مع فرق السلامة والإنقاذ. وإذا استمرت هذه الجهود بنفس الزخم والمتابعة، فإن أثرها لن يقتصر على خفض المخاطر الآنية، بل قد يسهم في ترسيخ ثقافة وقائية دائمة تجعل من سلامة المواطنين أولوية عملية في السلوك اليومي، وتمنح المجتمع نموذجاً هادئاً وفاعلاً لكيفية مواجهة الخطر بالعقل والتنظيم والمسؤولية.


