في تاريخ الدول، لا تُقاس قيمة المؤسسات بعدد المباني التي تشغلها، ولا بحجم اللوائح التي تصدرها، وإنما بقدرتها على خدمة المواطن، واحترام وقته، وصيانة كرامته.
ولعل المجلس الطبي السوداني يقدم اليوم نموذجًا يستحق الوقوف عنده، ليس لأنه أصبح مؤسسة بلا تحديات، وإنما لأنه – وفقًا لما يرويه عدد من الأطباء وأسرهم – نجح في تغيير ثقافة العمل من البيروقراطية إلى خدمة الإنسان، ومن تراكم الملفات إلى سرعة الإنجاز.
لقد عانى طلاب الطب وخريجو الجامعات السودانية والأجنبية سنوات طويلة من الانتظار في إجراءات التسجيل والامتياز والترخيص، حتى أصبحت أحلام كثير منهم معلقة بين المكاتب والملفات، واضطر بعضهم إلى البحث عن مستقبل مهني في دول أفريقية وأوروبية بعد أن فقدوا الأمل في إنهاء معاملاتهم داخل السودان.
لكن المشهد بدأ يتغير.
ويقف على رأس هذا التحول كل من بروف هشام محمد عبد الرحيم رئيس المجلس الطبي السوداني، ود. الرشيد محمد حمزة نائب الرئيس، ود. هبة يس أبوتركي الأمين العام، الذين نجحوا – بحسب شهادات متداولة بين الأطباء وأولياء الأمور – في إعادة الثقة للمجلس، وفتح صفحة جديدة عنوانها الاحترام والسرعة والمسؤولية.
ومن أكثر القصص تداولًا بين الأطباء، ما يُروى عن متابعة رئيس المجلس لبعض الحالات حتى ساعات الفجر، وحرصه على الرد على اتصالات المراجعين متى استطاع .
وهو سلوك يراه كثيرون تجسيدًا لفكرة أن المنصب العام تكليف لخدمة الناس قبل أن يكون تشريفًا.
إن الطبيب الذي يدرس سنوات طويلة، ويتحمل مشقة التعليم والتدريب، يستحق مؤسسة تُيسر طريقه، لا أن تزيد معاناته.
ولذلك فإن أي تطوير في أداء المجلس الطبي لا يخدم الأطباء وحدهم، بل يخدم النظام الصحي السوداني بأكمله، لأن كل طبيب يعود إلى موقع عمله في الوقت المناسب يمثل إضافة حقيقية للوطن.
إننا نتوجه بهذه الرسالة إلى رئيس مجلس السيادة، وإلى رئيس مجلس الوزراء، لنقول إن حسن اختيار القيادات يصنع الفارق. فحين تتوافر الكفاءة، والإخلاص، والقدرة على اتخاذ القرار، تتغير المؤسسات، ويستعيد المواطن ثقته في الدولة.
ومن هنا، فإن التجربة التي يشهدها المجلس الطبي تستحق أن تتحول إلى منهج عام في مؤسسات الخدمة المدنية.
وفي المقابل، ما زالت هناك مؤسسات تحتاج إلى مراجعة شاملة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية وبعض البعثات والمحطات الدبلوماسية، حيث لا تزال شكاوى السودانيين في الخارج تتكرر بشأن بطء الإجراءات، وضعف التواصل، وتعطل الخدمات، رغم أن الجاليات تمثل واجهة السودان وسنده في الخارج.
إن إصلاح الدولة لا يكون بتغيير اللوائح وحدها، وإنما بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومحاسبة المقصر، وتكريم المجتهد، وربط المسؤولية بالنتائج.
إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى مسؤول يشعر بآلام الناس، ويتابع قضاياهم، ويعتبر نجاح المواطن نجاحًا للدولة، لا عبئًا عليها.
ولذلك، فإن الإشادة بالمجلس الطبي ليست مجاملة لأشخاص، وإنما دعوة لتكريس ثقافة إدارية جديدة، يكون معيارها الوحيد هو جودة الخدمة، وسرعة الإنجاز، واحترام المواطن.
فإذا أردنا أن نستعيد هيبة الدولة، فعلينا أولًا أن نستعيد هيبة مؤسساتها، وأن نجعل كل مؤسسة عنوانًا للعدالة والكفاءة والإنجاز.
تحية لكل مسؤول يعمل بصمت، ويجعل من مكتبه بابًا للأمل لا بابًا للمعاناة .
ولكل قيادة تؤمن بأن خدمة المواطن هي أعظم إنجاز يمكن أن يسجله التاريخ.
رسالة إلى القيادة السودانية: إذا أردتم إصلاح الدولة… فابدؤوا بتعميم تجربة المجلس الطبي السوداني بقلم د. سعاد فقيري


