34.4 C
Khartoum
الجمعة, يوليو 31, 2026

استراحة الجمعة د. الشاذلي عبداللطيف… بين الدعاء والقدر يولد الأمل

إقرأ ايضا

هناك معارك لا يسمع لها صوت، لكنها تستنزف الإنسان أكثر من ضجيج الحروب. معركة بين الأمل واليأس، وبين الصبر والعجلة، وبين الثقة بالله والخوف من المجهول. وكثيراً ما يخرج الإنسان من هذه المعركة منهكاً، حتى إذا رفع يديه إلى السماء، وجد أن باب الله لم يكن مغلقاً يوماً، وإنما كان ينتظر منه صدق اللجوء.

في حياتنا نستعجل كثيراً. نريد للأحلام أن تتحقق اليوم، وللأبواب أن تفتح غداً، وللهموم أن تنتهي في لحظة. لكن سنن الله لا تسير على عجلتنا، وإنما على حكمته ورحمته. فما تأخر عنك ليس بالضرورة ضاع، وما غاب عنك ليس بالضرورة حُرمت منه، فقد يؤخر الله العطاء حتى يحين أوانه، ويمنع عنك شيئاً لأنه يدخر لك ما هو خير وأبقى.

ولذلك كان حسن الظن بالله من أعظم العبادات القلبية. فهو ليس عبارة نرددها عندما تضيق بنا الحياة، بل يقين يسكن القلب. فإذا اشتدت المحنة قال المؤمن: لعل الله يدخر لي خيراً لا أراه الآن. وإذا أغلقت الأبواب تذكر قول الله تعالى: ﴿فإني قريب﴾، فاطمأن قلبه قبل أن تتغير ظروفه.

كم من دعوة ظلت تصعد إلى السماء سنوات، حتى جاء وقتها، فإذا بها تغير حياة صاحبها كلها. وكم من إنسان ظن أن الله أبطأ عنه، ثم اكتشف أن الله كان يدبر له ما لم يكن يتخيله. إن الله لا ينسى عبداً رفع إليه حاجته، ولا يضيع دمعاً سال بين يديه، ولا يخيب قلباً أحسن الظن به.

ولعل من أجمل صور الإيمان أن تكون أنت أيضاً سبباً في جبر خاطر غيرك. كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، ورسالة مواساة، وسؤال عن غائب، ودعوة بظهر الغيب، كلها أعمال قد تكون سبباً في أن يزرع الله الأمل في قلب إنسان أنهكه التعب. فالكلمات الحانية لا تكلف شيئاً، لكنها قد تعيد الروح إلى قلب أوشك أن يهزمه اليأس.

لقد علمتنا الحياة أن الأقوياء ليسوا الذين لم يعرفوا الانكسار، وإنما الذين انكسروا ثم نهضوا، وتعثروا ثم واصلوا، وبكوا ثم ابتسموا، لأنهم كانوا يعلمون أن بعد كل عسر يسراً، وأن الله إذا أراد أمراً قال له: كن فيكون.

فلا تجعل كلمات مثل “مستحيل” و”لا يمكن” تقيد أحلامك، ولا تجعل تأخر الأمنيات يسرق منك الأمل. فربما كان ما تنتظره الآن يتهيأ لك في الغيب، وربما كانت اللحظة التي تظنها نهاية الطريق هي بداية الفرج الذي سيغير حياتك.

همسة الجمعة

إذا تأخرت أمنياتك، فلا تتهم القدر، ولا تضعف ثقتك بالله. فما أخذه الله لحكمة، وما أبقاه لرحمة، وما أخره إلا ليمنحك في الوقت الذي يعلم أنه الخير لك. ثق بربك، فإن الكريم إذا أعطى أدهش، وإذا جبر أزال أثر كل انكسار.

أسأل الله في هذا اليوم المبارك أن يشرح صدوركم، وييسر أموركم، ويجبر خواطركم، ويبارك في أعماركم وأرزاقكم، وأن يجعل في قلوبكم نوراً لا ينطفئ، وفي بيوتكم سكينة لا تزول، وأن يرزق السودان وسائر بلاد المسلمين الأمن والسلام والاستقرار.

جمعة مباركة، وأحسنوا الظن بالله دائماً، فإن وراء كل قدر جميل حكمة، ووراء كل صبر بشارة، ووراء كل دعاء استجابة في الوقت الذي يختاره الله.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة