33.2 C
Khartoum
الأربعاء, أغسطس 19, 2026

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي … الخرطوم مدينة لبائعات الشاي…

إقرأ ايضا

خلال الأسفار بين عواصم مختلفة، من الرياض إلى القاهرة، ومن كوالالمبور إلى نيروبي، ومن عنتبي إلى بكين، يلاحظ المرء أن لكل عاصمة شخصيتها وهويتها، وأن المدن لا تُقرأ من مبانيها ومؤسساتها فقط، بل من شوارعها ومقاهيها ومنتدياتها وساحاتها العامة ، ومن الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان مع المكان. فالعاصمة ليست مركزًا للحكم فحسب، وإنما واجهة حضارية تختزل روح الدولة وتكشف مستوى وعيها بذاتها.

في كثير من هذه العواصم، تشكل المقاهي والمنتديات والمسارح فضاءات لصناعة الأفكار، يلتقي فيها الكاتب بالسياسي، والباحث بالفنان، والصحفي بالمواطن، وتتولد نقاشات تسبق التحولات الكبرى. فكثير من الأفكار التي غيّرت المجتمعات لم تبدأ في قاعات السلطة أو الأكاديمية، بل في فضاءات جمعت المختلفين حول سؤال واحد: كيف نبني دولةً ومستقبلًا أفضل؟

أما الخرطوم، فرغم تاريخها، فقد ظلت تعاني من أزمة نقص الخدمات و ضعف التخطيط العمراني، إنها أزمة وظيفة المدينة. فقد اختُزلت العاصمة عبر عقود في كونها مركزًا للسلطة، أكثر من كونها مركزًا لإنتاج الوعي والثقافة والحوار. فأصبحت العلاقة بين المواطن والمدينة في كثير من الأحيان علاقة منفعة يومية، لا علاقة انتماء ومشاركة وصناعة مستقبل.

ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة في الفضاء العام للخرطوم، اختلاط الحاجة الاقتصادية بغياب التخطيط الحضري. فانتشار بائعات الشاي لا يمكن النظر إليه باعتباره مشكلة مرتبطة بالنساء اللاتي وجدن في هذا النشاط وسيلة للعيش الكريم، فهن جزء من المشهد الاجتماعي المعقد، وتجسيد لقدرة المجتمع على الصمود أمام الظروف الاقتصادية الصعبة.

لكن اللافت أن الظاهرة فرضت نفسها حتى على خطاب قيادة الدولة، فقد دعا الرئيس عبدالفتاح البرهان الأسبوع الماضي والي الخرطوم إلى عدم التضييق على “ستات الشاي” والمقاهي، قائلاً: “ما تقفلوا الكافيهات وتضايقوا ستات الشاي، نحن عايزين الناس ترجع” . وهو تصريح يكشف حضور الاقتصاد غير الرسمي في حياة العاصمة، لكنه يفتح سؤالاً مهماً: كيف تستوعب الخرطوم هذه الأنشطة ضمن تخطيط حضري جديد ،يحفظ حق الناس في العمل، دون أن تفقد نظامها وهويتها الحضارية؟ فالمشكلة ليست في بائعة الشاي، وإنما في مدينة لم تُصمم بعد لتستوعب الجميع.

فالعواصم الناجحة لا تُبنى بإقصاء مظاهر الحياة الشعبية، وإنما بإدارتها ضمن رؤية حضرية واعية و منتبهة ، توازن بين الاقتصاد والثقافة والنظام العام والكرامة الإنسانية. فالمسألة في جوهرها ليست تنظيم مشهد يومي ، بل تعكس قدرة الدولة على إدارة المدينة بعدالة وفكرة ، وتحويل النشاط الشعبي من ظاهرة هامشية إلى مورد اقتصادي واجتماعي منظم، يندمج في هوية العاصمة ولا يتحول إلى بديل عن التخطيط الحضري.

إن الفوضى البصرية التي تعاني منها الخرطوم ليست مجرد مسألة جمالية، بل تعكس أزمة في طريقة التفكير في المدينة. فالشارع ليس مساحة مهملة، والميدان ليس فراغًا عمرانيًا، والمقهى ليس مكانًا للتعطل، وإنما كلها أدوات لصناعة شخصية العاصمة. وعندما تغيب الرؤية، يتحول الفضاء العام من مساحة للتفاعل الاجتماعي إلى ساحة للفوضى، وتفقد المدينة تدريجيًا قدرتها على التعبير عن مستوى الوعي الذي تمثله.

ولعل أحد أسباب أزمتنا السياسية والفكرية يعود إلى هذا الفراغ. فالنخب السودانية تعرف بعضها غالبًا عبر الكتابات، والبيانات، والمنصات الإعلامية، لكنها لا تلتقي بما يكفي في فضاءات مباشرة للحوار. والسياسة لا تُصنع فقط في قاعات الاجتماعات، وإنما أيضًا في اللقاءات الإنسانية التي تسمح بفهم الآخر، وسماع نبض المجتمع، وبناء الثقة بين مختلف المكونات .

فالمجتمعات التي تفتقد أماكن الحوار، تصبح أكثر عرضة للاستقطاب، لأن الأفكار لا تتقارب ولا يحدث بينها التفاعل المطلوب، والصور النمطية لا تُراجع، والمسافات بين النخب والناس تزداد اتساعًا. وربما كان غياب هذه المساحات أحد الأسباب التي جعلت الخطاب السياسي السوداني يميل كثيرًا إلى الصراع، ويقل فيه التفاعل المباشر الذي يصنع التوافقات الوطنية.

لذلك لا ينبغي أن تكون إعادة بناء الخرطوم بعد الحرب ترميمًا للمباني، بل استعادةً للحياة المدنية، عاصمةً تتسع للمقاهي الثقافية والمنتديات والمسارح والحدائق والمكتبات والحوار، حيث يلتقي الإعلامي بالكاتب والفنان بالباحث والشباب لصناعة وعي عام جديد. فالكاتب والفنان والإعلامي ليسوا متفرجين على الخرطوم ، بل شركاء في تشكيل روحها، والعاصمة التي لا تنتج أفكارها، محكوم عليها باستهلاك أفكار الآخرين.

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن معركة الخرطوم اليوم هي إعادة بناء معنى العاصمة، من مدينة تتمركز فيها السلطة إلى مدينة تتشكل فيها الدولة، ويلتقي فيها المجتمع والثقافة والاقتصاد. فالخرطوم تملك ما لا يُصنع بالتخطيط وحده: موقعًا فريدًا عند مقرن النيلين، طالما تنافست عليه كبريات العواصم، لكنها تحتاج إلى رؤية تحوّل هذا الموقع من جغرافيا جميلة إلى قيمة حضارية واقتصادية وثقافية. فالخرطوم التي نريدها ليست استعادةً للماضي، بل عاصمةً تستثمر موقعها وذاكرتها وتنوعها لتصنع مستقبلها، وتكون بوابةً لسودان جديد أكثر وعيًا وانتباه .

دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 19 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com
#السودان #إبراهيم_شقلاوي #الخرطوم #بائعات_الشاي #إعادة_بناء_الخرطوم #التخطيط_الحضري #هوية_المدينة #الحياة_المدنية #الفضاء_العام #مستقبل_الخرطوم

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة