37.6 C
Khartoum
السبت, أغسطس 22, 2026

معركة الجنيه.. الاقتصاد الذي يجب أن يكون على طاولة الحوار السوداني ✍️د. الشاذلي عبداللطيف

إقرأ ايضا

ليس انهيار الجنيه السوداني مجرد قصة عن ارتفاع الدولار، ولا أزمة نقدية يمكن اختزالها في قرارات البنك المركزي. العملة في جوهرها تعبير مكثف عن قوة الدولة: عن إنتاجها، وانضباط ماليتها، وثقة مواطنيها، وقدرتها على حماية المدخرات والعقود والمستقبل. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفع الدولار، بل لماذا فقد الجنيه الوظائف التي تمنح أي عملة هيبتها؟

وصل السودان إلى هذا الوضع عبر تراكم طويل. اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد احتياجاته، موازنات تعاني العجز، قاعدة إنتاجية محدودة، نظام مصرفي ضعيف الجاذبية، سوق موازية واسعة، تهريب للذهب والموارد، ثم فقدان جانب من عائدات النفط بعد انفصال الجنوب. ومع الاضطراب السياسي والحرب، تعطلت المصانع والأسواق وسلاسل النقل، وتراجعت الصادرات، وارتفعت كلفة التمويل، فتحول ضعف الجنيه من مشكلة نقدية إلى مرآة لأزمة الدولة نفسها.

ولهذا فإن استعادة الجنيه لا تبدأ من شاشة أسعار الصرف، بل من الاقتصاد الحقيقي.

المحور الأول هو الإنتاج. لا توجد عملة قوية وراء اقتصاد غير منتج. الزراعة يجب أن تتحول من قطاع تقليدي إلى سلسلة قيمة متكاملة تشمل التمويل والتقنية والتخزين والتصنيع والتصدير. وكذلك الصناعة؛ فلا معنى لتصدير القطن والسمسم والذهب والماشية كمواد أولية، ثم استيراد السلع المصنعة بأسعار مضاعفة.

المحور الثاني هو الصادرات والذهب. يجب أن تدخل حصائل الصادر عبر النظام المصرفي، وأن يصبح البيع الرسمي للذهب أكثر جدوى من تهريبه. الدولة لا تحمي عملتها بالشعارات، بل بزيادة موارد النقد الأجنبي وتوسيع قاعدة الصادرات بصورة مستدامة.

المحور الثالث هو الانضباط المالي. التمويل النقدي المباشر للعجز دون غطاء إنتاجي ليس حلا، بل ضريبة خفية على المواطن. كل توسع نقدي لا يقابله إنتاج يترجم لاحقا إلى تضخم، ثم إلى الضغط على سعر الصرف.

وهنا تبرز قضية الدين العام وترشيد الإنفاق. فالدولة التي تستهلك مواردها في جهاز متضخم ثم تستدين لتمويله، تؤجل الأزمة ولا تحلها. المطلوب موازنة تعطي الأولوية للإنتاج والبنية الأساسية والتعليم والصحة، لا للإنفاق الجاري الذي لا يضيف طاقة إنتاجية جديدة.

المحور الرابع هو استقلال البنك المركزي. مهمته ليست تمويل الحكومة بلا حدود، بل حماية الاستقرار النقدي، وإدارة السيولة، وبناء الاحتياطيات، والحد من التضخم. قوة العملة تبدأ حين تصبح السياسة النقدية مؤسسة لا مزاجا.

المحور الخامس هو استعادة الثقة في المصارف. لا يمكن لاقتصاد أن يتعافى بينما مدخرات الناس خارج الجهاز المصرفي وتحويلات المغتربين تبحث عن قنوات موازية. المطلوب نظام مؤسسي فعال لحماية الودائع واستعادة الثقة المصرفية، ومصارف أكثر كفاءة، وخدمات رقمية، وحوافز لجذب التحويلات.

المحور السادس هو القانون والاستثمار. المستثمر لا يدخل بلدا لأن مسؤوليه يطلبون منه ذلك، بل لأنه يثق في العقود والقضاء واستقرار الضرائب والسياسات. سيادة القانون ليست ملفا قانونيا منفصلا؛ إنها جزء من سعر الصرف نفسه.

أما المحور السابع فهو إعادة الإعمار على قاعدة الإنتاج، لا على قاعدة الاستهلاك. فإعمار ما دمرته الحرب يجب أن يخلق مصانع ووظائف وبنية تحتية وصادرات، لا أن يتحول إلى موجة استيراد جديدة تستنزف النقد الأجنبي.

لهذا ينبغي أن يحتل الاقتصاد موقعا مركزيا في الحوار السوداني. الحوار الذي يناقش شكل السلطة ويتجاهل شكل الاقتصاد سيعيد إنتاج الأزمة مهما تغيرت الحكومات. المطلوب ميثاق اقتصادي وطني طويل يلتزم به الجميع: استقلال البنك المركزي، وضبط العجز، وحماية الموارد، وتشجيع الإنتاج والصادرات، وإصلاح المصارف، ومحاربة الفساد والتهريب. فالاقتصاد يجب أن يصبح مساحة توافق، لا ساحة تجريب تتبدل بتبدل السلطة السياسية.

وليس المطلوب أن نعيد الدولار إلى رقم قديم بقرار إداري؛ فهذه ليست قوة عملة. قوة الجنيه أن تستقر قوته الشرائية، وينخفض التضخم، ويثق المواطن بأن مدخراته غدا لن تكون أقل قيمة من مدخراته اليوم.

الجنيه لا يحتاج إلى حملة للدفاع عنه، بل إلى دولة تستحق عملة قوية. فإذا عاد الإنتاج، وانضبطت المالية العامة، واستقرت المؤسسات، واستعاد القانون هيبته، فلن نحتاج إلى إصدار الأوامر للجنيه كي يقوى. عندها سيقوى لأنه أصبح يحمل خلفه اقتصاد دولة، لا اقتصاد أزمة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة