37.6 C
Khartoum
السبت, أغسطس 22, 2026

الفريق أول/ ركن عبدالفتاح البرهان يقهر المليشيا ويصبح رمزاً للاستقلال الثاني والوحدة الوطنية قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في صباح مشرق من أيام أغسطس عام 2026، وقف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في رحاب القصر الجمهوري الذي غسلته دماء الشهداء وطهرته بطولات الأبطال، لكنه هذه المرة لم يقف ليعلن تحريراً مضى، بل وقف ليصافح سفراء الدول المعتمدين في مشهد مهيب نقلته عدسات وكالات الأنباء العالمية، لتتدفق الصور إلى كل عواصم الأرض مؤكدة أن السودان قد عاد بقوة إلى خريطة السيادة، وأن راية الدولة التي انحنت للحظة تحت وطأة الغدر قد انتصبت من جديد في سماء الخرطوم. كان ذلك المشهد الرسالة الأبلغ للعالم أجمع بأن التحرير لم يعد حلماً بعيداً، بل أصبح واقعاً يطرق أبواب كل مدينة وقرية، وأن ما تبقى من شبر في دارفور وغيرها ليس سوى أيام قلائل تفصلنا عن اكتمال الفرح الوطني الكبير، فما كان للميدان أن يروي بداية الملحمة دون أن يكون هو نفسه خاتمها المظفر. لكن الأكثر إدهاشاً، أن هذا المشهد الذي أذهل المراقبين لم يكن مجرد احتفال بالنصر المؤقت، بل كان تتويجاً لاستقلالٍ ثانٍ يختلف تمام الاختلاف عن استقلال 1956 الذي حصل عليه السودان عبر مفاوضات السياسيين وموائد المستعمرين؛ فهذا الاستقلال الجديد وُلِدَ من رحم معارك ضارية غير متكافئة، حيث خاض البرهان وقواته المسلحة حرباً عالمية مصغرة ضد سبع عشرة دولةٍ خططت ودعمت ومولت مليشيا الدعم السريع بالمال والسلاح والخبرات الاستخباراتية، ومع ذلك انتصر عليها البرهان بذكائه السياسي الفذ ودهائه العسكري المذهل، محولاً معادلة القوى الدولية رأساً على عقب في واحدة من أروع ملاحم التاريخ الحديث.

كانت حكاية هذا الكتاب الدامي قد بدأت في الخامس عشر من أبريل عام 2023، حين انقضت مليشيا الدعم السريع على القصر الجمهوري في هجوم مباغت أرادت منه أن يكون نهاية الدولة، لكن القدر كان له رأي آخر. في تلك الساعات الحرجة، وقف خمسة وثلاثون بطلاً من أبطال الحرس الرئاسي ليصدوا تلك الآلة العسكرية الجرارة التي فاقتهم عدداً وعدة بأضعاف مضاعفة، في موقعة غير متكافئة جسدت أسمى معاني الإيثار والفداء، حيث آثروا الشهادة على الخزي، والموت على الانسحاب. استشهدوا جميعاً وهم يدافعون عن القصر وقائده، لكن تضحيتهم لم تكن النهاية كما ظن الخصوم، بل كانت البداية الفعلية لوعي جمعي أيقظ في جيش تبدو إمكاناته محدودة روحاً جديدة، وفي شعب كان يعيش على هامش السياسة يقيناً راسخاً بأن المعركة ليست مجرد صراع على كرسي، بل هي حرب وجود بامتياز ضد مشروع خارجي يستهدف تمزيق النسيج الوطني الذي تبلور عبر قرون من التعايش والتاريخ المشترك. ومنذ تلك اللحظة، تحولت دماء الشهداء إلى وقودٍ لا ينضب يحرك آلة الحرب السودانية في كل اتجاه، وإلى رسالة مكتوبة بحروف من نور أن هذا الوطن يستحق التضحية.

وبينما كانت المليشيا ترفع رايات النصر الوهمي في شوارع العاصمة، وتتحدث قوى الحرية والتغيير بوصفها الجناح السياسي للمليشيا عن سقوط الحكومة، فيما كانت أوساط غربية وعواصم بعيدة ترسم خرائط التقسيم وتخطط لسيناريوهات الإدارة الدولية، كان البرهان يقرأ المشهد من زاوية مختلفة تماماً. بذكاءٍ سياسي نادر قل نظيره في تاريخ الصراعات المعاصرة، وفطنةٍ عسكرية مذهلة جعلت الخبراء العسكريين في واشنطن ولندن وباريس يعيدون حساباتهم مراراً، انخرط القائد في حرب نفسية معقدة أراد منها أن يشتت خصومه ويجعلهم ينشغلون بغلاف النصر البراق بينما كان هو يكتب في الخفاء فصول النصر الحقيقية. كان يعيد ترتيب أوراق جيشه بصمت، ويعيد بناء القدرات بدهاء، ويستثمر كل لحظة تأخر في تحصين الداخل وكسب تأييد القوى الوطنية المخلصة، مدركاً أن المعركة الحقيقية ليست في استعادة المباني، بل في استعادة ثقة المواطن بوطنه وإعادة تشكيل وعيه الجمعي حول أولويات المرحلة. وهنا يكمن السر العظيم في تحوله من قائد عسكري يواجه تمرداً إلى رمزٍ وطني جامعٍ للوحدة الوطنية التي طالما تغنى بها الشعراء في قصائدهم لكنها ظلت غائبة عن واقع السياسة السودانية لعقود، حيث استطاع أن يحوّل كل تلك الدول السبع عشرة التي تآمرت عليه إلى مجرد شهود على عبقرية قائد لم يترك لهم فرصةً للتدخل ولا ذريعة للتراجع.

وبينما كانت المليشيا تغرق في أوهام الانتصار وتلهو باحتفالاتها في القصر الذي اغتصبته، كان رجال القوات المسلحة وأجهزة الامن والمخابرات والاستخبارات والقوات المساندة للقوات المسلحة يحفرون في صخر التحديات المستحيلة، يستعيدون شبراً شبراً مواقعهم التي بدت للوهلة الأولى وكأنها ضائعة إلى الأبد. وبحلول شهر مارس من عام 2025، وبعد عامين كاملين من الاحتلال المؤلم، دوى صوت الانفجار العظيم حين استرد الجيش القصر الجمهوري في معركة ضارية هزت أركان المليشيا وزلزلت قواعدها، ثم توالت الانتصارات كالسيل الجارف لتشمل مطار الخرطوم الدولي ومقر القيادة العامة، حتى تحررت العاصمة بالكامل في مايو، ليروي الميدان وحده القصة الحقيقية لهذا الكتاب المفتوح، الذي لم تكتب سطوره بالحبر الأزرق المعتاد، بل كُتبت بدماء الشهداء الـ35 الذين أصبحوا عنواناً للوفاء، وبعزيمة شعب رفض بحكمة وإصرار أن يكون لعبةً في أيدي القوى الخارجية التي ظنت أن السودان يمكن أن يُقسَمَ كما تُقسَمُ أرغفة الخبز على موائد المستعمرين. لقد أثبت البرهان، من خلال توقيته الذكي وتدبيره المحكم وإدارته الدقيقة لكل مراحل المعركة، أن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي مشروع حياة يُبنى بالثقة المتبادلة والصبر على المكاره، وأن غلاف المليشيا البراق الذي زينته وسائل الإعلام العالمية لم يكن سوى وهمٍ سرعان ما تبدد تحت وطأة الحقائق الميدانية التي لا تقبل التزوير ولا تُجاري الرغبات، فكانت كلمة الميدان هي الفصل الأخير الذي لم يتوقعه أحد.

واليوم، ومع تحرير الخرطوم ومشهد أغسطس 2026 الذي صافح فيه البرهان سفراء العالم في قصرٍ أصبح رمزاً للسيادة المستعادة، تتجه كل الأنظار نحو دارفور حيث تتواصل ملحمة التحرير الموعودة، ويظل الجميع على يقين راسخ بأن هذه الملحمة العظيمة لن تتوقف حتى تطهير كل شبر من تراب الوطن، وأن الأيام القادمة ستحمل بشائر التحرير الكامل الذي طال انتظاره. البرهان الذي بدأ مسيرته كقائد عسكري في مواجهة تمرد غادر، يخرج من هذه الحرب الطاحنة كأب روحي لوطن جديد تماماً، يجسد الاستقلال الثاني بمعناه الشامل الذي يتجاوز مجرد طرد المحتل واستعادة الأرض، إلى مشروع نهضوي أكبر يشمل توحيد القلوب والخنادق خلف راية واحدة وبناء مؤسسات قادرة على الصمود في وجه أي تحدٍ مستقبلي. في الختام، حين نطوي صفحات هذه المرحلة الفارقة من تاريخنا، وننظر إلى المشهد بأكمله في لوحته الكاملة، ندرك أن العبرة الحقيقية ليست فيمن يبدأ الحرب ولا فيمن يرفع الشعارات الأعلى صوتاً، بل فيمن ينهيها بحكمة ويصنع من رحم الدمار دولةً أقوى وأكثر تلاحماً وأعظم قدرة على مواجهة الأعداء، حيث يظل الشهداء الخمسة والثلاثون عنواناً للوفاء الخالد الذي لا يُنسى، ويبقى عبد الفتاح البرهان رمزاً حياً للقائد الذي كتب بنفسه نهاية كتاب انتصاره، مؤكداً أن استقلال السودان الثاني والوحدة الوطنية ليسا مجرد أمنيات، بل هما الجائزة الكبرى التي تأتي دائماً في الصفحات الأخيرة من كتاب الأبطال، لا في غلافه الخادع الذي ظن الكثيرون أنه الحقيقة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة