في إطار الترتيبات الإدارية السنوية التي درجت عليها رئاسة قوات الشرطة، صدرت كشوفات الترقيات والإحالة إلى التقاعد..خطوة لا تمضي كأي إجراء إداري، بل هي تجسيد حي لسنة التداول الوظيفي، وحرص أصيل على تجديد الدماء وضخ الكفاءات، بما يصون استمرارية الأداء ويرفع كفاءة المؤسسة الشرطية…فمن الترقي ترتقي الهامات، ومن البذل تكتب الأمجاد…واليوم تقف مؤسسة الشرطة السودانية وقفة ليست لتوديع رجل، بل لتكريم مسيرة، ولتخليد عطاء، ولتوقير قامة.
ترجل الفارس
اليوم يترجل الفارس بعد رحلة امتدت لأكثر من أربعين عاماً.
أربعون عاماً لا تقاس بأرقام في دفتر الخدمة، بل توزن بشرف المواقف، وبعرق الميادين، وبوفاء لا يعرف الكلل.
إنه السيد اللواء شرطة دكتور المهدي إسماعيل…الرجل الذي حول الزي الرسمي إلى هيبة، والقانون إلى عقيدة، وخدمة الناس إلى عبادة يومية لا تحتاج إلى دليل.
دخل المؤسسة شاباً طموحاً يحمل حلم الأمن، وخرج منها اليوم قائداً ملهماً، وعالماً نال لقب (الدكتور) عن جدارة واستحقاق، فجمع بين صرامة الميدان وأناقة الفكر.
أربعون عاماً في سطور…أربعون عاماً قضاها بين الدروب والميادين، وبين مكاتب التحقيق وقاعات العلم.
كان فيها حازماً حين يقتضي الحزم، وأباً رحيماً حين يدعو المقام إلى الرفق..بذل الغالي والنفيس، فكان سيفاً على المجرم، ودرعاً للضعيف، ولساناً للحق لا يميل..لم يفرق بين غني وفقير، ولم يعرف قلبه طريقاً إلى المحاباة…لأن الوطن عنده أمانة، والمواطن عنده أسرة ممتدة.
مغادرة مرفوعة الرأس واليوم وهو يعبر بوابة التقاعد، يمضي مرفوع الرأس، ناصع السيرة، طاهر اليد…يمضي وقد سجل في سجل الشرطة صفحة بيضاء لا يشوبها سواد، وكتاباً لا يخالطه شائب…كان مثالاً للضابط الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين هيبة الدولة وإنسانية الرجل، وبين الحزم الذي يصون القانون والرحمة التي تصون الإنسان.
الوسام لا النهاية
إن إحالة اللواء دكتور المهدي إسماعيل إلى المعاش ليست نهاية المطاف، بل هي وسام شرف يعلقه الوطن على صدره، وشهادة تقدير يخطها التاريخ بمداد الوفاء..فالرجال من طينته لا يتقاعدون فكرهم يبقى منارة، وتجربتهم تبقى مدرسة، وسيرتهم تبقى بوصلة للأجيال القادمة من ضباط الشرطة.
تحية لك سعادتك…
تحية لسنوات العطاء، وليالي السهر، وللدموع التي مسحتها، وللدماء التي صنتها…ذهبت إلى المعاش بجسدك، وبقيت في قلوبنا قدوة.
حفظك الله، وأدام عليك الصحة والعافية، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك.


