قرأت باهتمام مقال الأستاذ إبراهيم شقلاوي «حوار الجماهير… لا حوار النخب»، فوجدت أنه يضع اليد على جوهر الأزمة السودانية: هل نريد حوارا يعيد توزيع المقاعد بين ذات الوجوه، أم نريد حوارا يعيد بناء الدولة من أساسها؟
في الفكر الإسلامي، الحوار ليس مجاملة سياسية ولا وسيلة لتجميل التسويات، بل هو من صميم الشورى التي جعلها القرآن وصفا للمجتمع الراشد: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. والشورى ليست احتكار القرار داخل دوائر مغلقة، وإنما إشراك أصحاب المصلحة، وسماع المختلف، وربط السلطة بالمسؤولية، ومنع الاستبداد بالرأي. ومن هنا فإن «حوار الجماهير» لا يعني فوضى المنابر، بل يعني ألا تصبح إرادة الشعب مجرد عبارة تستدعيها النخب عند الحاجة ثم تنساها حين يبدأ اقتسام السلطة.
والأصل الثاني هو العدل. قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. لذلك فإن أي حوار وطني جاد لا ينبغي أن يتحول إلى منصة لعفو سياسي يمحو الجرائم، ولا إلى أداة لعقوبات جماعية بسبب الجغرافيا أو الانتماء. الجريمة مسؤولية فردية، والموقف السياسي يناقش بالحجة، والحقوق تفصل فيها مؤسسات العدالة، تصديقا لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
والأصل الثالث هو حفظ الدماء. فالصلح في الشريعة مقصد عظيم، لكنه لا يعني إهدار الحقوق ولا مكافأة من حمل السلاح. السلام الحقيقي هو الذي يطفئ الحرب ويمنع أسباب تجددها. فلا يجوز أن تصبح البندقية أقصر طريق إلى الوزارة، ولا التمرد مدخلا دائما لإعادة توزيع النفوذ؛ لأن الدولة التي تكافئ القوة خارج القانون تؤسس، من حيث لا تدري، لحربها القادمة.
وهنا يلتقي الفكر الإسلامي مع جوهر النظرية السياسية الحديثة: لا دولة مستقرة مع تعدد الجيوش ومراكز القوة. الجيش الوطني الواحد ليس شعارا تفاوضيا، بل شرط وجود للدولة. السلاح للمؤسسة العسكرية الوطنية، والسياسة للأحزاب، والحقوق للقضاء، والسلطة للمؤسسات.
ومن هنا تتضح طبيعة الأزمة السودانية. فهي ليست مجرد نزاع على الحكومة، بل أزمة في مفهوم الدولة نفسها: علاقة المركز بالأقاليم، توزيع الثروة، إدارة التنوع، موقع الجيش في النظام الدستوري، دور الأحزاب، مكان الدين في المجال العام، وحدود التدخل الخارجي. وهذه قضايا تأسيس لا تقبل المعالجة بعقلية المحاصصة.
لذلك لا ينبغي أن يبدأ الحوار بالسؤال: من يأخذ ماذا؟ بل: كيف نبني دولة لا يحتاج فيها مواطن إلى بندقية حتى يسمع صوته؟ ولا ينبغي إقصاء أي تيار سياسي لمجرد فكرته، كما لا ينبغي منحه حصانة بسبب تاريخه أو نفوذه. المعيار هو المواطنة، والقانون، والالتزام بالوسائل السلمية.
وحوار الجماهير لا يقاس بكثرة الكراسي. فقد تضم القاعة مئات الأشخاص، وتظل النخبة تتحدث باسم الملايين. المطلوب تمثيل حقيقي للأقاليم، والنازحين، واللاجئين، والشباب، والنساء، والإدارات الأهلية، والجامعات، والمجتمع المدني، والقطاع الاقتصادي، والقوى السياسية. فمن دفع ثمن الحرب يجب أن يكون شريكا في صناعة السلام.
أما الخارج، فيمكنه أن يسهل ويدعم، لكنه لا يملك حق كتابة مستقبل السودان. السيادة ليست عزلة، بل قدرة على التعاون دون ارتهان القرار الوطني.
إن السودان لا يحتاج إلى هدنة سياسية تؤجل الانفجار، بل إلى عقد وطني جديد يقوم على الشورى والعدل، ووحدة البلاد، وجيش وطني واحد، وقانون واحد، ومواطنة متساوية، وتنمية متوازنة.
فالسلام بلا عدالة هش، والعدالة بلا دولة عاجزة، والدولة بلا جيش واحد مستحيلة، والسياسة بلا جماهير تتحول إلى ناد مغلق للنخب.
ولذلك فالسؤال الأكبر ليس: من يجلس حول الطاولة؟ بل: أي سودان نريد بعد الحرب؟
سودان تحكمه المؤسسات، وتصان فيه كرامة الإنسان، ويحتكر فيه الوطن قوة السلاح، وتحسم السياسة بالحجة والصندوق، ويعالج التهميش بالعدل والتنمية، وترد فيه الدولة إلى معناها الحقيقي الجامع.
عندها فقط يصبح الحوار صوت الجماهير، لا صفقة النخب؛ ومشروعا لبناء وطن، لا موسما جديدا لإعادة تدوير الأزمة.


