في مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن يكون السؤال: من نُبقي؟ ومن نُغادر؟ بقدر ما ينبغي أن يكون: من هو الأقدر على أداء المهمة في المرحلة القادمة؟
وهنا، لا بد من قول الكلام بوضوح، بعيداً عن المجاملة أو تصفية الحسابات: التمديد بعد بلوغ سن المعاش ينبغي أن يكون استثناءً تفرضه الحاجة والكفاءة، وليس قاعدة تُفتح أبوابها للمحاباة أو المجاملة أو العلاقات الشخصية.
فالمرفق العام ليس ملكاً لأحد، والوظيفة العامة ليست امتيازاً دائماً، وإنما مسؤولية تتجدد بتجدد احتياجات المؤسسة وقدرتها على مواكبة المرحلة.
🔹 الكفاءة أولاً… لا العمر وحده ولا العلاقة
نحن لا ندعو إلى إقصاء أصحاب الخبرة، ولا ننكر أن بعض الكفاءات النادرة يصعب تعويضها بين ليلة وضحاها. بل على العكس، فإن المؤسسة الرشيدة هي التي تعرف قيمة خبراتها وتحافظ عليها، وتستفيد من تراكم معرفتها، وتنقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة.
لكن في المقابل، لا يجوز أن يتحول التمديد إلى وسيلة لإغلاق أبواب الترقي أمام العاملين، أو تجميد الوظائف القيادية لسنوات طويلة، أو تعطيل فرص الشباب الذين ينتظرون دورهم في تحمل المسؤولية.
فالاستبقاء لمجرد الاستبقاء قد يضر بالمؤسسة أكثر مما ينفعها، خصوصاً عندما تكون هناك كوادر مؤهلة داخل المؤسسة قادرة على تولي المسؤولية، وتحتاج فقط إلى فرصة عادلة لإثبات نفسها.
والقاعدة التي نحتاج إلى ترسيخها بسيطة:
من كانت كفاءته نادرة، فليُستبق وفق ضوابط واضحة وحاجة حقيقية؛ ومن انتهت حاجتنا إلى استبقائه، فليُفسح المجال لغيره باحترام وتقدير.
🔹 مفوضية العون الإنساني تحتاج إلى تجديد لا إلى تجميد
مفوضية العون الإنساني ليست مؤسسة عادية؛ فهي تقع في قلب العمل الإنساني، وتتعامل مع المنظمات الوطنية والدولية، والشركاء، والمانحين، والنازحين والعائدين والمجتمعات المتأثرة بالأزمات.
وهذا الواقع الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في طريقة الإدارة، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي توزيع المسؤوليات، وفي فرص الترقي والتطوير.
لم يعد من المقبول أن تظل بعض المؤسسات تعمل بعقلية إدارية تنتمي إلى عقود مضت، بينما العالم من حولها يتحرك بسرعة هائلة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات والتحول المؤسسي والتخطيط المبني على النتائج.
نحن بحاجة إلى إدارة تعرف كيف تستخدم التكنولوجيا، وكيف تقرأ البيانات، وكيف تتواصل بسرعة، وكيف تتخذ القرار في الوقت المناسب، وكيف تنتقل من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج والأثر.
🔹 راهنوا على الشباب… فهم ليسوا مشكلة المؤسسة
الشباب السوداني ليس عبئاً على الدولة، بل هو واحد من أكبر مواردها.
لقد أثبت الشباب خلال الحرب والأزمات أنهم قادرون على المبادرة والعمل تحت الضغط، وبرزوا في غرف الطوارئ، والمطابخ المجتمعية، والتكايا، والمبادرات التطوعية، والعمل الإنساني والمجتمعي في مختلف الولايات.
ومن غير المنطقي أن نطلب من الشباب أن يحملوا عبء المستقبل، ثم نحرمهم من فرص القيادة داخل مؤسسات الدولة.
أعطوا الشباب فرصة… وراقبوا النتائج.
فالشاب الذي يتعامل يومياً مع التكنولوجيا، ويبحث عن المعلومة بضغطة زر، ويستطيع بناء شبكة علاقات واسعة، ويملك القدرة على التعلم السريع والتعامل مع الأدوات الرقمية، يمكن أن يكون إضافة حقيقية للمؤسسة إذا وجد التدريب والتوجيه والفرصة.
لكننا في الوقت نفسه لا نريد أن نقع في خطأ آخر، وهو الاعتقاد بأن كل شاب مؤهل لمجرد أنه شاب.
المطلوب ليس استبدال كبار السن بالشباب، وإنما استبدال معيار العمر بمعيار الكفاءة.
🔹 لا نريد صراع أجيال
المعركة الحقيقية ليست بين الكبير والصغير، ولا بين صاحب الخبرة والموظف الشاب.
المطلوب هو أن يعمل الطرفان معاً.
الخبرة من جهة، والطاقة الجديدة من جهة أخرى.
الكبير يمنح المؤسسة ما اكتسبه عبر سنوات طويلة من المعرفة والخبرة والعلاقات وفهم التفاصيل، والشاب يضيف السرعة والمرونة والتكنولوجيا والأفكار الجديدة.
ومن هنا يمكن أن نصنع جيلاً إدارياً جديداً لا يبدأ من الصفر، وإنما يبدأ من حيث انتهى الآخرون.
وهذا يتطلب وضع برامج حقيقية لـ نقل المعرفة والتعاقب الوظيفي والإحلال والتطوير القيادي، بدلاً من إبقاء المواقع القيادية مغلقة إلى أجل غير مسمى.
🔹 التمديد يجب أن يكون شفافاً وعادلاً
إذا كانت هناك حاجة حقيقية لتمديد خدمة موظف بعد بلوغ سن المعاش، فليكن ذلك وفق معايير مكتوبة ومعلنة، من بينها:
– ندرة التخصص أو الخبرة.
– الحاجة الفعلية للمؤسسة.
– الكفاءة والأداء المثبت.
– خلو السجل الوظيفي من المخالفات المؤثرة.
– وجود مبرر مؤسسي واضح للتمديد.
– تحديد مدة التمديد ومراجعته دورياً.
– عدم استخدام التمديد لتعطيل حق العاملين المؤهلين في الترقي.
– ضمان نقل الخبرة وبناء بديل مؤهل خلال فترة الاستبقاء.
بهذه الطريقة يصبح التمديد قراراً مؤسسياً لا قراراً شخصياً، ويصبح الاستبقاء لحماية الكفاءة، لا لحماية المواقع.
🔹 لا تجعلوا المؤسسة “متجراً مغلقاً”
المؤسسة التي لا تتيح الفرص لجيل جديد تفقد حيويتها تدريجياً.
والمؤسسة التي تصبح فيها المواقع القيادية محجوزة لأشخاص بعينهم، مهما كانت خبرتهم، ستجد نفسها بعد سنوات أمام مشكلة أكبر: من سيخلفهم؟
وهنا تأتي أهمية التخطيط للتعاقب الوظيفي.
فالمؤسسة الناجحة لا تنتظر خروج المدير حتى تبحث عن بديل، وإنما تُعد البديل قبل ذلك بسنوات.
هذه هي الإدارة الحديثة.
نحن لا نريد أن نصل إلى اليوم الذي يخرج فيه صاحب الخبرة فتخرج معه كل المعرفة، لأن المؤسسة لم تبنِ جيلاً ثانياً يحمل الراية.
🔹 رسالة إلى أصحاب القرار
نقولها بكل احترام:
لا تجعلوا معيار الاختيار هو القرب، ولا معيار التمديد هو المحبة، ولا معيار الترقية هو الأقدمية وحدها.
ضعوا الرجل أو المرأة المناسبين في المكان المناسب.
افتحوا الأبواب أمام الكفاءات.
حاسبوا على الأداء.
كافئوا المجتهد.
طوّروا الضعيف.
وانقلوا الخبرة قبل أن تغادر.
والأهم من ذلك كله: انظروا إلى المؤسسة بعين المستقبل، لا بعين الماضي.
فالدولة التي لا تجدد مؤسساتها، تتجمد مؤسساتها، والدولة التي لا تستثمر في شبابها، ستدفع ثمناً غالياً من مستقبلها.
🔹 كلمة أخيرة
لسنا ضد الكبار، ولسنا مع الشباب لمجرد أنهم شباب.
نحن مع الكفاءة.
نحن مع العدالة الوظيفية.
نحن مع حق العامل في أن يرى طريقه مفتوحاً أمامه.
ونحن مع مؤسسة تستفيد من خبرة الكبار، وتمنح الشباب فرصة حقيقية، وتبني جسراً بين الجيلين.
فمفوضية العون الإنساني تحتاج اليوم إلى عقول خبيرة، وأيدٍ شابة، وإدارة حديثة، ومعايير عادلة، وقرار مؤسسي لا تحكمه العلاقات الشخصية.
ولنكن صريحين مع أنفسنا:
إذا ظللنا نخاف من إعطاء الشباب فرصتهم، فلن نصنع جيلاً جديداً من القيادات. وإذا جعلنا التمديد امتيازاً دائماً، فسوف نغلق أبواب المستقبل بأيدينا.
أما إذا أحسنا إدارة الانتقال، واحترمنا الخبرة، وأطلقنا طاقات الشباب، ووضعنا الرجل المناسب في المكان المناسب، فإننا لا نُغيّر أشخاصاً فقط…
بل نبني مؤسسة أقوى، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على خدمة الإنسان السوداني.
🌱 المؤسسات لا تكبر بالأسماء… وإنما تكبر بالكفاءة، والعدالة، وتجدد الدماء، وحسن إدارة الأجيال.
ولنا عودة


