أربع ساعات من الحوار بين الأستاذ مصطفى البطل ورئيس المؤتمر الوطني أحمد هارون انتهت بخلاصة يصعب المرور عليها دون توقف: يقول الكاتب: “خرجتُ من اللقاء مفعماً بالتفاؤل، وافر الثقة، عميق الاطمئنان إلى مستقبل السودان” . اللافت أن الاطمئنان خرج إلى العلن، بينما بقي مضمون الحديث “خارج السجل” . وهنا يبدأ سؤال مقالنا: ماذا قال هارون للبطل حتى خرج من هذا اللقاء بهذه الدرجة من الاطمئنان؟
تعمد الكاتب عدم كشف مضمون الحديث، مكتفيًا بخلاصة انطباعه. ولا نكاد نجزم أيهما سبق الآخر: اللقاء أم بيان المؤتمر الوطني الصادر الأربعاء، الذي بدأ منشغلاً بتحديات البلاد. لكن تزامنهما قد يفسر أحدهما الآخر، دون أن يعني بالضرورة علاقة سببية بينهما، فالسياسة، تُقرأ من تقاطع التصريحات والسياقات الظرفية.
حديث البطل عن هارون، يستدعي صورة الرجل من تجربته السابقة والياً على شمال كردفان، ويربطها بالحراك العمراني و التنموي، وقدرته على جمع مؤيديه وخصومه حول مشروع الولاية. ثم ينتقل من الانطباع الشخصي إلى استنتاج سياسي قائم علي ثقة في الرجل، ثم ثقة في تماسك المؤتمر الوطني وقدرته على الحضور والفعل.
وثمة دلالة سياسية يجب التوقف عندها في اختيار مصطفى البطل، فهو ليس ناقلاً عادياً، الرجل له وزن ومصداقية واتصالات إقليمية ودولية. وفي السياسة، اختيار الوسيط جزء من الرسالة. لذلك، فإن ظهور أحمد هارون عبره في هذا التوقيت يبدو أقرب إلى جس نبض للمشهد واختبار قابلية استعادة الحضور، دون أن يكون بالضرورة إعلاناً لضربة البداية.
وهنا تتغير الفكرة، فالموضوع لم يعد أحمد هارون، وإنما المؤتمر الوطني كما يريد البطل أن يراه في السودان المقبل: حزباً متماسكاً، واسع الانتشار، عميق الجذور، داعماً للجيش، ومقتنعاً بأن أولوية المرحلة هي الحفاظ على وحدة البلاد، من دون أن يكون في عجلة من أمره لمنازعة السلطة القائمة.
لكن تظل المعضلة القانونية المتعلقة بإجراءات حل الحزب، حيث يرى قانونيون أن القرار لم يستند إلى قانون الأحزاب، بل اتخذ في سياق الصراع السياسي وتصفية الحسابات. ومن ثم فإن استبعاد الحزب لا يحسمه القرار السياسي، وإنما القانون وشرعية الإجراء وإرادة الناخبين.
لكن بعيداً عن ذلك يصبح الاطمئنان الذي تحدث عنه البطل أكثر غموضاً. فربما لم يكن الاطمئنان مجرد حديث عن تماسك التنظيم أو الموقف من الجيش. وربما رأى البطل في حديث هارون ما هو أبعد من ذلك: تصوراً لقدرة المؤتمر الوطني على الفعل في الملفات التي ستحدد شكل السودان في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية.
فالمؤتمر الوطني، بحكم وجوده الطويل في مؤسسات الدولة، راكم خبرة واسعة في الإدارة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية والدولية. وهذا لا يعني أنه يدير المشهد الحالي من خلف ستار، ولا يثبت الاتهامات التي تضعه في موقع التأثير المباشر في القرار السياسي ، لكنه يعني شيئاً أبسط وأكثر أهمية، أنه تنظيم يصعب تجاهل رصيده من المعرفة والخبرة وشبكات العلاقات عندما يجري الحديث عن موازين التأثير في البلاد.
وهنا تكتسب إشارة بيان الوطني وزنًا سياسيًا، فربطه الحرب بالاقتصاد، بالتزامن مع حديث البطل عن قدرة الحزب على الحضور والفعل، يوحي بأن الاقتصاد والعلاقات الإقليمية والدولية قد تكون جسورًا لعودة الحزب إلى المشهد، في واقع سوداني معقد يحتاج إلى مثل هذه المسارات.
فالحزب الذي يملك كوادر وخبرات راكمت تجربة طويلة في إدارة الدولة قد يستطيع نظرياً تقديم شيء في لحظة الأزمة الاقتصادية، سواء عبر الأفكار أو الخبرات أو شبكات العلاقات. لكن القدرة المحتملة على التأثير ليست دليلاً على ممارسة التأثير، وهذه المسافة يجب أن تؤخذ في الاعتبار.
الأمر نفسه ينطبق على الخارج. فأزمة البلاد لم تعد شأناً داخلياً، فقد تشابكت فيها المصالح الإقليمية والدولية، وأصبحت أي تسوية مستدامة مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بمواقف القوى الإقليمية والدولية، والضغوط والتحالفات والتفاوض. وفي مثل هذا المشهد، تصبح العلاقات الخارجية والخبرة الدبلوماسية وشبكات التواصل السياسي جزءاً من أدوات التأثير.
فالسودان لن يخرج من الحرب بالقوة العسكرية أو السياسة وحدها، بل بإعادة صياغة شبكة علاقاته الإقليمية والدولية، وتحويل الخارج من ساحة للضغط، إلى مجال للتفاوض وحشد الدعم وإعادة الإعمار. وإذا كان الوطني يملك بعض أدوات هذا المسار، فإن دلالة “عميق الاطمئنان” التي كتبها البطل تظل مفتوحة على أكثر من احتمال، ربما تقديرات عسكرية، أو تماسك حزبي، أو تحولات سياسية واقتصادية وخارجية محتملة.
الواضح أن خروج أحمد هارون من الصمت محسوب، فاختيار مصطفى البطل، والاطمئنان الذي خرج به، وتزامن اللقاء مع خطاب سياسي واقتصادي جديد للمؤتمر الوطني، تجعل الظهور أقرب إلى جسّ نبض لعودة سياسية محتملة. لذلك دلالة الساعات الأربع ليست فيما قيل، بل فيما سمعه البطل وجعله يخرج بذلك الاطمئنان. هنا يتجاوز “ماذا قال هارون لمصطفى البطل؟” حدود اللقاء إلى اختبار مبكر لموقع الوطني في معادلة ما بعد الحرب ،وما لم يُقل داخل الغرفة قد يكون أول ما ستكشفه السياسة.
دمتم بخير وعافية.
السبت 19 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
#ماذا_قال_هارون_لمصطفى_البطل؟ #أحمد_هارون #مصطفى_البطل #المؤتمر_الوطني #السودان #مستقبل_السودان #ما_بعد_الحرب #التحول_السياسي #الاقتصاد_السوداني #العلاقات_الخارجية #إبراهيم_شقلاوي


