الخرطوم : عبق نيوز
لأن الخرطوم لم تكن مجرد مدينة إدارية، كانت في أوقات كثيرة عاصمة للموقف السوداني والعربي. ففي عام 1967 احتضنت القمة العربية الشهيرة التي ارتبطت باللاءات الثلاثة، وتحولت المدينة في لحظة تاريخية إلى مساحة لصناعة القرار العربي في أعقاب النكسة. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط اسم الخرطوم بقدرة السودان على إنتاج موقف يتجاوز جغرافيته.
لكن المواقف لا تمر بلا كلفة، خصوصاً حين تصدر عن دولة ذات موقع استراتيجي مؤثر. فالسودان، بموقعه بين العالم العربي وإفريقيا، وإطلالته على البحر الأحمر، وموارده الزراعية والمائية وثرواته الطبيعية، ومجاورته لبؤر التوتر في القرن الإفريقي وحوض النيل، ليس هامشاً في الحسابات الإقليمية، بل نقطة تقاطع فيها المصالح والصراعات لتتجاوز الحدود، ولذلك أصبحت الخرطوم ، في قلب هذه الحسابات.
ومن هنا يمكن فهم عنوان المقال، “مدينة تم التآمر عليها” ، باعتباره توصيفاً سياسياً لمسار طويل من القرارات والمواقف التي أحاطت بالخرطوم، وجعلت إضعافها وإبقاءها خارج مسار النهوض أقرب إلى مخطط تتقاطع فيه حسابات إقليمية ودولية، لا حصيلة عشوائية للأحداث.
فقد تداخلت في تلك الفترة الضغوط الخارجية مع العقوبات الأمريكية، ومع أطماع سياسية إقليمية، ومع أخطاء داخلية، حتى أصبح السودان أكثر هشاشة أمام التحديات. فالعقوبات في مراحلها المختلفة، أثرت بصورة مباشرة علي حياة الناس والبنية التحتية، كما أثرت في البيئة الاقتصادية والمالية والاستثمارية، وجعلت مسار التعافي والتنمية أكثر صعوبة.
لكن تحميل الخارج كل المسؤولية سيكون قراءة ناقصة. فقد ساهمت أخطاء الداخل في فتح الأبواب التي دخلت منها الضغوط الخارجية، بجانب ضعف المؤسسات، مركزية القرار، اضطراب الاقتصاد، سوء إدارة الموارد، والانقسامات السياسية التي جعلت الدولة أقل قدرة على حماية نفسها.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 وما سبقها من تخضير لتجمع كثيراً من هذه التناقضات. فما جرى للخرطوم، كان صراعاً على مركز الدولة ومؤسساتها وذاكرتها. ولذلك فإن حجم الخراب الذي أصاب العاصمة لا يمكن فصله عن الصراع على هندسة البلاد. المدينة التي كانت تعاني قبل الحرب من فائض السكان أصبحت تعاني من نزوح السكان، والمدينة التي كانت تستقبل الباحثين عن الأمان أصبحت نفسها تبحث عن الأمان.
هنا تبدو المفارقة التاريخية قاسية، الخرطوم التي احتضنت العرب في لحظة انكسار، وجمعت الخصوم حول موقف سياسي واحد، تجد نفسها، أمام مأساة كبرى، بينما يشعر كثير من السودانيين بأن التضامن العربي لم يكن بحجم العلاقة التاريخية ولا بحجم الكارثة. وفي المقابل، دخلت الحرب في شبكة من التفاعلات الإقليمية والدولية، وأصبح السودان ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة، فيما يدفع المواطن وحده كلفة الخراب.
لذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة، دفعت الخرطوم ثمن مركزية الدولة قبل الحرب، ثم ثمن ضعفها خلالها، وستدفع كلفة استعادة عافيتها بعدها. لكن القضية أكبر من إعادة إعمار مدينة، إنها إعادة بناء دولة، وتصحيح توزيع التنمية والفرص، وتحويل الخرطوم من مركز يستنزف البلاد إلى عاصمة تخدمها. وقد كشفت الحرب حجم التآمر والأطماع المحيطة بالسودان، بما يجعل الوعي بها جزءاً من أمننا القومي، ومسؤوليةٌ تتكامل فيها القيادة بحماية الاستقرار، والمواطن بإدراك المخاطر، و الإعلام بكشف ما وراء الأحداث ، حتى لا نعيد بناء المدينة ونُبقي أسباب أزمتها قائمة.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 8 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
#الخرطوم #السودان #فيروز_زياني #مدينة_تم_التآمر_عليها #ترييف_المدن #مركزية_الدولة #اختلال_التنمية #أمن_السودان_القومي #إعادة_إعمار_الخرطوم #الحرب_في_السودان #إبراهيم_شقلاوي
Post Views: 2


