36.8 C
Khartoum
الأحد, أكتوبر 18, 2026

دويلة الشر تخفق عسكرياً وتُدير حرباً اقتصادية بأسرار خفية… والدولار في ارتفاع متزايد فكيف ننتصر؟ قلم وطني بقلم: خالد المصطفى

إقرأ ايضا

حين عجزت مدافع دويلة الشر عن إخضاع السودان، لجأت إلى سلاح أشد فتكاً وأقل ضجيجاً: حرب اقتصادية تُدار بعقلية استخباراتية، لا بفوضى الأسواق. لم تعد المعركة مجرد ارتفاع في سعر الدولار أو شح في الوقود، بل هندسة ممنهجة تستهدف كسر إرادة الدولة من الداخل، عبر شبكات مضاربة منظمة، وضخ عملات غير رسمية، وتوظيف الإعلام المضلل، واختناق قنوات التمويل والتجارة. وارتفاع الدولار المستمر في السوق الموازي، متجاوزاً حاجز 9500 جنيه وما زال يواصل الصعود، لم يكن صدفة، بل مؤشراً على أن الحرب الاقتصادية انتقلت إلى مرحلة أخطر: استهداف العملة الوطنية نفسها، وصناعة هلع نقدي يومي، وتحويل السوق إلى أداة ضغط سياسي. والسؤال الذي يفرض نفسه: من يُدير هذه الحرب علمياً ومحلياً؟ وكيف نبني خارطة نصر اقتصادية لا تقل ذكاءً عن الانتصار العسكري؟

الخلفية الجذرية لهذه الحرب لا تكمن في الحرب نفسها، بل في هشاشة بنية الاقتصاد السوداني قبلها، وهو ما استثمرته دويلة الشر ببرود. فالسودان ينتج نحو 199 طناً من الذهب سنوياً بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار، لكن ما دخل الخزينة رسمياً في 2025 لم يتجاوز 1.8 مليار دولار، بينما فقدت البلاد نحو 111 طناً بقيمة 18 مليار دولار عبر التهريب. هذه الفجوة الهائلة بين الإنتاج والتصدير الرسمي ليست صدفة، بل هي “نقطة الاختراق” التي بنت عليها دويلة الشر حربها: شبكات تهريب، وسماسرة عملة، وتجار حرب يحوّلون ثروة البلاد إلى وقود للانهيار. الوضع الراهن يكشف أن الحرب تُدار بثلاث طبقات: طبقة خارجية ترعى المخطط وتموّله، وطبقة محلية من “الرأسمالية الطفيلية” تُنفّذ عبر السوق الموازي، وطبقة إعلامية تضخ الشائعات وتصنع الهلع النقدي. وقد بلغ الأمر أن سعر الدولار في السوق الموازية يواصل الارتفاع المتزايد متجاوزاً 9500 جنيه، مع حديث عن ضخ كميات ضخمة من النقد غير المعترف به في مناطق سيطرة المليشيا، بينما يربط البنك المركزي استيراد الوقود بضمان 200 كيلوغرام من الذهب للحد من المضاربات.

التبعات المباشرة ثقيلة: تضخم بلغ 99% في 2025 بعد أن كان 176% في 2024، وتراجع عائدات الذهب الرسمية إلى 909 ملايين دولار حتى سبتمبر 2025، مقابل أكثر من ملياري دولار في 2021. وارتفاع الدولار المستمر في السوق الموازي يعني أن الفجوة السعرية بين الرسمي والموازي تحولت إلى “رافعة مضاربة” أكبر ترفع أسعار كل السلع والخدمات، وتستنزف الثقة في العملة المحلية، وتضغط مباشرة على قدرة المواطن على التداوي والغذاء والوقود. لكن الردود الرسمية، رغم جديتها، ظلت حتى الآن “دفاعية”: تجميد حسابات، وضبط منافذ، وربط استيراد بضمانات ذهبية. التطورات اللاحقة تكشف أن المؤسسات المالية بدأت تتحرك نحو “الاقتصاد البديل”: استخدام العملات المحلية في التبادل، وتأسيس تحالفات جديدة مثل البريكس، وتنويع الشراكات بعيداً عن الغرب. لكن التحليل المتعمق وغير المتوقع يقول إن المشكلة ليست في نقص الأدوات، بل في أن الحرب الاقتصادية تُدار ضد السودان بمنطق “الشبكة”، بينما لا تزال أدوات الدولة تعمل بمنطق “المؤسسة”. فدويلة الشر لا تحتاج إلى احتلال ميناء أو مدينة، بل إلى إبقاء السوق الموازي خارج القانون، والذهب خارج الخزينة، والمعلومة الاقتصادية خارج السيطرة. ومن هنا، فإن الحل ليس أمنياً فقط، بل “هندسة اقتصادية مضادة” تحوّل نقاط الضعف إلى نقاط قوة: تحويل السوق الموازي إلى رسمي بالتحفيز لا القمع، وربط الذهب بمنصة رقمية شفافة تُشرك المعدّنين الأهليين، وتحويل الحرب الإعلامية إلى غرفة عمليات اقتصادية تفكك الشائعات قبل أن تتسع.

في الختام، إن استكمال النصر العسكري الذي يحققه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لن يكتمل إلا بتحرير الاقتصاد من قبضة هذه الحرب الخفية، وبما أن الدولار في ارتفاع متزايد ومستمر فإن المعركة تحتاج إلى قرار اقتصادي أقوى من المضاربة نفسها. إننا نناشد الدكتور جبريل إبراهيم محمد، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، أن يقود “غرفة عمليات اقتصادية” لا تقل ذكاءً عن غرفة العمليات العسكرية: بورصة ذهب شفافة تُنهي التهريب، ورقمنة كاملة للتحصيل الجمركي والضريبي، وتنويع مصادر الوقود والقمح بالعملات المحلية، وإطلاق صندوق وطني لدعم الصادرات الزراعية، وتحويل التحويلات الرسمية من المغتربين إلى قناة استثمارية محمية، وربط سعر الصرف بمنصة تبادل رسمية تُسحب منها المضاربة تدريجياً. الشعب الذي صمد في وجه الحرب يستحق اقتصاداً يصمد من أجله، والنصر الحقيقي يبدأ حين نكسر الحرب الاقتصادية بسلاحها نفسه: العلم، والشفافية، والإرادة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة