26.1 C
Khartoum
الإثنين, أكتوبر 26, 2026

محجوب أبوالقاسم يكتب .. سيادة رئيس الوزراء الأمل على المحك

إقرأ ايضا

السيد رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس
استقبل المواطن توليكم رئاسة مجلس الوزراء بتفاؤل كبير وعقد آمالا عريضة على برنامج حكومتك منتظرا انتقال البلاد من دائرة الأزمات إلى رحاب المعالجات الجادة في مرحلة تعد من أشد المراحل حرجا في تاريخ السودان حيث تتزامن ويلات الحرب مع انهيار الأوضاع المعيشية وتآكل قدرة المواطن على الصمود.

لقد ساندنا برنامجكم انطلاقا من إيماننا بأن البلاد تحتاج إلى حكومة تدرك حجم المسؤولية وتملك إرادة التغيير وتضع المواطن في صدارة أولوياتها لم يكن ذلك التأييد تفويض مفتوح بل ثقة معلقة على الإنجاز وأمل في أن تتحول الوعود إلى واقع يلمسه الناس في تفاصيل حياتهم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أين نصيب المواطن من الأمل الذي انتظره؟سيادة رئيس الوزراء المواطن لا يطلب رفاهية ولا ينتظر معجزات في زمن الحرب يريد فقط أن يجد قوت يومه وأن يوفر احتياجات أسرته الأساسية دون أن تتحول رحلة التسوق إلى معركة مع الغلاء أو يصبح تأمين وجبة لأطفاله عبئا يفوق قدرته.

لقد أصبح كيس الخضار امتحان قاسي لميزانية الأسرة فيما تتصاعد الأسعار وتتراجع القوة الشرائية ويجد المواطن نفسه محاصر بين دخل لا يكفي واحتياجات لا ترحم في ظل ممارسات بعض التجار وضعف الرقابة على الأسواق
أما الدولار فقد مضى في مساره الصاعد تاركا “محمد أحمد”يواجه واقع لا يملك أدوات تغييره تتآكل قيمة ما في يده وتتضاعف كلفة المعيشة وتضيق الخيارات أمام أسر لم تعد تطلب سوى الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

وفي ملف الوقود جاءت تطميناتكم خلال زيارتكم للمحطات بأن الأزمة مفتعلة وأن الإمدادات متوفرة وشهدت الأوضاع انفراج محدود قبل أن تعود الصفوف الطويلة وتتجدد المعاناة.
وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاوزه إذا كان الوقود متوفر فما الذي يعوق وصوله إلى المواطنين؟ وإذا كانت الأزمة مفتعلة فأين المعالجة الحاسمة والمحاسبة التي تمنع تكرارها؟

إن إدارة الأزمات لا تقاس بقدرة المسؤول على تقديم التطمينات بل بقدرته على إنهاء أسبابها فالانفراج الذي يدوم يومين ليس حلا والتصريح الذي لا تسنده نتائج عملية يفقد أثره سريعا، المطلوب إجراءات واضحة تكفل انسياب الإمدادات وتكشف مكامن الخلل وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن تعطيل مصالح الناس.

سيدي رئيس الوزراء لقد تحمل المواطن ما يفوق طاقته أرهقته الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات ومع ذلك ظل متمسكا بالأمل في دولة تنهض بواجباتها وتخفف عنهم وطأة المحنة.
لكن الصبر الشعبي لا ينبغي أن يفهم باعتباره قدرة بلا حدود ولا أن يتحول إلى مبرر لتأجيل المعالجات فالحكومة مطالبة بتحويل إمكاناتها إلى نتائج وترتيب أولوياتها وفق حاجات الناس ومواجهة الغلاء والاحتكار والاختلالات الإدارية بإجراءات ملموسة لا بوعود مؤجلة.

نريد حكومة أمل بالفعل لا بالاسم حكومة تقاس بإنجازاتها لا بخطاباتها وبما توفره للمواطن لا بما تعده به.

نريد سياسات واضحة لاستقرار الأسواق وحماية المستهلك وتحسين توفر السلع الأساسية ومعالجة اختلالات الوقود، والعمل على تخفيف الضغوط المعيشية بقدر ما تسمح به ظروف البلاد. كما نريد مصارحة حقيقية للشعب بشأن التحديات مصحوبة بخطط قابلة للتنفيذ ومؤشرات معلنة لقياس التقدم.
وفي المقابل فإن مساندة الجيش لا تكتمل بالبيانات وحدها بل تحتاج إلى حكومة تنهض بمسؤولياتها في إدارة الدولة وتوفير مقومات الصمود وحماية الجبهة الداخلية من التآكل تحت وطأة الأزمات، فتماسك الوطن يتطلب جيش يؤدي واجبه في الدفاع عنه ومؤسسات مدنية تؤدي واجبها في خدمة مواطنيه.

أما الحقائب الوزارية فلا ينبغي أن تكون مواقع محصنة من التقييم والمساءلة فالمرحلة تفرض مراجعة جادة لأداء الوزراء تميز بين من حقق نتائج تستحق التقدير ومن أخفق في أداء مهامه أو عجز عن مواكبة حجم التحديات.
المنصب العام تكليف لا امتياز والاستمرار فيه ينبغي أن تحكمه الكفاءة والنتائج لا المجاملة وحسابات العلاقات.

ومن هنا فإن اتخاذ قرارات التغيير متى اقتضتها المصلحة العامة ليس انتقاصا من أحد بل ممارسة طبيعية للمسؤولية فمن أدى واجبه يستحق الإنصاف ومن قصر ينبغي أن يخضع للمساءلة ومن لم يعد قادر على العطاء عليه أن يفسح المجال لمن يستطيع.

وهنا نضع أمامكم سؤالا مباشرا سيادة رئيس الوزراء هل تملكون إرادة مراجعة الأداء الوزاري بشفافية واتخاذ القرارات اللازمة دون تردد وتقديم مصلحة المواطن على أي اعتبارات أخرى؟

إننا لا نكتب بحثة عن خصومة ولا نستهدف أشخاص بل ننطلق من حق المواطن في النقد والمساءلة ومن واجب الكلمة في تنبيه المسؤول إلى مواضع الخلل فنجاح الحكومة مصلحة وطنية وتصحيح مسارها مسؤولية مشتركة لكن المسؤولية التنفيذية الأولى تقع على عاتق من يتولى إدارة الدولة.

سيدي رئيس الوزراء لقد منحكم الناس فرصة وينتظرون أن يروا أثرها في واقعهم ومحمد أحمد الذي لا تعنيه تفاصيل الاجتماعات بقدر ما تعنيه كلفة وجبته اليومية يريد أن يلمس الفرق بين حكومة تعلن الخطط وحكومة تنفذها.

إنه لا يريد تطمينات بشأن الوقود ثم يعود إلى الصفوف ولا يسمع عن تحسن اقتصادي بينما تتضاعف أعباؤه ولا ينتظر خطابات مطولة عن الأمل فيما تضيق أمامه سبل العيش.

المواطن لا يطلب من حكومته أن تصنع المعجزات يطلب منها أن تؤدي واجبها وأن تحول المتاح من الإمكانات إلى حلول وأن تصارحه بالحقيقة وألا تتركه وحيدا في مواجهة الأزمات.

لقد حان الوقت لأن ينتقل برنامج الحكومة من الورق إلى الميدان وأن تصبح معاناة الناس معيارا لتحديد الأولويات وأن تخضع المواقع الوزارية لمقياس الإنجاز وأن تواجه الاختلالات بقرارات حاسمة تعيد الثقة في مؤسسات الدولة.
فهل تفعلها سيدي رئيس الوزراء؟ وهل نشهد مراجعة حقيقية للأداء، وخطوات عملية تخفف أعباء المعيشةوتضع حدا لتكرار الأزمات وتعيد إلى المواطن شعوره بأن هناك دولة تعمل من أجله؟

إن حكومة الأمل تقف أمام امتحان الواقع وإجابتها لن تكتب في البيانات الرسمية بل في الأسواق ومحطات الوقود وموائد الأسر السودانية.
فالأمل الذي لا يتحول إلى إنجاز والثقة التي لا تسندها نتائج يظلان وعدا مؤجلا في حياة شعب لم يعد يملك ترف الانتظار.

والله من وراء القصد

26 أكتوبر 2026 م

ولنا عودة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة