إذا أردنا أن نلحق بركب التقدم حقيقةً لا شعاراً، وإذا أردنا أن نبني وطناً قوياً ومتقدماً برؤيةً وطنيةً خالصةً، فعلى وزارة التعليم العالي أن تتخذ قراراً تاريخياً وشجاعاً لا رجعة فيه، وهو منع أي نشاطاً سياسياً حزبياً داخل حرم الجامعات منعاً باتاً ونهائياً.
لقد كانت الجامعة في كل الدنيا مصنعاً للعلماء لا مصنعاً للهتاف، ومعملاً للعقول لا منبراً للأحزاب، ومركزاً للبحث لا ساحةً للصراع، إلا عندنا، حيث حولتها الأحزاب السياسية إلى مكان عراك، وكل حزباً حول الكلية إلى فرعيةً له، وكل تنظيماً زرع بذور الفتنة بين الطلاب.
بل إن الكارثة الكبرى أن النوابغ أنفسهم هربوا من الجامعات الحكومية هروباً جماعياً بسبب هذا النشاط الحزبي المسموم، فالطالب النابغة الذي يدخل الجامعة بتفوقاً ساحقاً وبأحلاماً كبيرةً يجد نفسه فجأةً رهينةً لمظاهرةً حزبيةً لا ناقة له فيها ولا جمل، وما أن تبدأ الدراسة حتى يتم تعليقها، وما أن ينتظم العام الدراسي حتى يأتي قرار الإغلاق، فيتضرر الطالب وحده الذي لا ذنب له إطلاقاً، فيدخل ليُتخرج في خمسة سنوات فإذا به يتخرج في ثمانية سنوات كاملةً، ضاعت من عمره وضاعت من مستقبله بسبب صراعاً حزبياً ، لذلك فضل أولياء الأمور والطلاب النوابغ الهروب إلى الجامعات الخاصة حيث لا نشاطاً حزبياً وحيث عاماً دراسياً مستقراً ومنتظماً، فخسرت الجامعة الحكومية أذكى أبنائها بسبب الأحزاب.
ماذا قدمت لنا الأحزاب السياسية منذ الإستقلال وحتى اليوم؟ لا شيء ملموساً إطلاقاً، بل قدمت لنا الخراب تأخيراً تلو تأخير، وفشلاً تلو فشل، وكلما سقط نظاماً جاءت نفس الوجوه بنفس الشعارات لتسرق نفس الحلم، وكانت الجامعة هي الحاضنة الأولى لهذا الفشل، هناك يتم غسيل عقل الطالب المسكين وهو في سن المراهقة الفكرية، فيُقال له أنت معنا أو أنت ضدنا، حتى صار العنف الطلابي ثقافةً، وصار الدم يسيل في الجامعات بدلاً من الحبر.
إن أكبر جريمةً إرتكبت في حق الوطن هي تسييس الجامعة، فعندما دخل الحزب إلى القاعة خرج العلم من الشباك، وعندما إرتفع صوت الركن السياسي سقط صوت الأستاذ الجليل، وعندما صارت الكلية ساحةً للملصقات الحزبية، هربت منها العقول النيرة مهاجرةً إلى الخارج تبحث عن مختبراً يحترم علمها لا حزباً يستغل حماسها.
نحن لا نطالب بقمع الرأي ولا بمصادرة الفكر، فليفكر الطالب كما يشاء وليكتب ما يشاء، لكن خارج أسوار الجامعة، أما داخل الحرم الجامعي فلا صوت يعلو فوق صوت العلم، ولا راية ترفرف فوق راية المعرفة، الجامعة للمعمل والمكتبة والبحث، وليست لصندوق الإنتخابات الحزبي.
أيها السادة في التعليم العالي، إن العالم من حولنا تقدم لأن جامعاته تقدمت، وجامعاته تقدمت لأنها طردت الحزب من بابها، في أوروبا وأمريكا وآسيا لا يوجد ركن نقاش حزبي داخل جامعةً، يوجد نقاش علمي، يوجد إختراع، يوجد بحث، لهذا يصنعون الطائرات ونحن نصنع البيانات الحزبية.
أغلقوا هذا الباب نهائياً، إمنعوا الفوضى و أي ممارسةً لنشاط سياسي حزبي داخل الجامعات مهما كان لونها ومهما كان شعارها، حولوا الجامعات إلى ثكنات للعلم فقط، عندها فقط سنلحق بركب الأمم، وسنرى طبيباً عبقرياً ومهندساً مبدعاً لا كادراً حزبياً يحفظ الشعارات ولا يحفظ المعادلات.
meehad74@gmail.com


